وهذه تلاحظ المسألة التي تكلمنا عليها الآن.
وقد قال ابن المواز في مثل هذا التشكك من المقر فيما يستحق عليه إذا شهدت على إقراره البينة، وهو يجحد: إنه يحبس حتى يأتي بإحدى الجاريتين، وإن أدى الاجتهاد إلى ضربه ليقر فعلنا.
وهذا التفاوت (2) إلى ما أشرنا من كون المقر له لا يستبيح شيئا بالشك.
وذهب ابن عبد الحكم إلى أنه لو قال: غصبت فلانا هذا العبد أو هذه الجارية، ثم أنكر وطلب استحلافه، فنكل عن اليمين، وادعى المقر له العبد والجارية، وحلف عليهما فإنه يقضى له بهما جميعا. وكأنه رأى أن المقر إذا طلب منه أن يحلف على العبد أو الجارية ليعتن حق المقر له، فنكل عن اليمن وحلف المقر له لما ادعاهما جميعا، صار كل شخص من المملوكين العبد
والجارية طلب مدعيهما جميعا أن يحلف المقر على كل واحد منهما أو على أحديث فلم يفعل، صار كمن ادعي عليه بشيء ونكل عن اليمين، فإن المدعي يحلف ويستحقه. وهكذا قال سحنون فيمن قال: لفلان عندي مائة درهم أو دينار، فإنه تلزمه المائة درهم ويحلف على الدينار ويسقط عنه. فإن نكل عن اليمين، وادعى الطالب الجميع: المائة درهم والدينار، يحلف ويستحق الصنفين جميعا. وهكذا أصل سحنون، فيما قدمناه مما حكاه في السؤال الذي قبل هذا أن ما بعد حرف الشك ساقط، ويعد كالندم من المقر فقال: إذا قال: لفلان عندي مائة دينار أو ذكر (1) حنطة، فإن المائة دينار تلزمه والكر يسقط إذا حلف المقر على أنه لا يستحقه عليه. وإن نكل وادعاه المقر له حلف واحدة.
وفرع على هذا فروعا مبنية على هذا الأصل فقال لمن قال: لفلان علي مائة درهم ودينار (2) وكر حنطة، فإن المائة تلزمه بإجماعنا والدينار يلزمه عند سحنون، ويسقط عنده ما بعد حرف الشك وهو كر الحنطة إذا حلف عليه فإن نكل وادعاه الطالب حلف وأخذه. وكذلك لو قال: لفلان عندي مائة درهم ودينار (2) وكر حنطة وكر شعير، فإن المائة درهم تلزمه في اجماعنا وكذلك الكر الشعير، ويلزمه الدينار عند سحنون، ويسقط عنه كر الحنطة، ويلزمه الشعير في اجماعنا. وقال غيرنا: تلزمه المائة درهم والكر الشعير، وهو أول اللفظ وآخره، وأما ما بينهصا وهو الثاني والثالث فإنه يقضى عليه بأقلها قيمة.
فأنت ترى كيف أشار (3) سحنون ها هنا إلى الاتفاق على لزوم كر الشعير لما وقع عقيب حرف العطف وهو الواو. فكأنه إنما عطف بحرف الواو على الأمرين المتقدمين ولهما (4) المائة درهم والدينار، وخص ما بعد حرف الشك
خاصة وهو الحنطة التي ذكرها في ثالث مرتبة. وقد قدمنا عنه ما حكاه عن نفسه من اختلاف قوله إذا قال: لفلان عندي مائة درهم، أو لفلان، وفلان، أنه كان يذهب إلى الأول والثالث هما اللذان يستحقان هذه المائة، وقدر أن الثالث المذكور بخلاف العطف إنما عطف على الأول الذي الاقرار له لازم قال وكتب هذا وأشار إلى رجوعه عنه إلى الشك وقع بين الثاني والثالث، وكأن المائة درهم لازمة، فلما قال بعدها: أو لفلان دينار ومائة درهم، صرف هذا الشك إلى الثاني والثالث، خلاف ما أشار إليه ها هنا من الاتفاق. وهذا ينبغي أن يتأمل كلامه.
وجميع ما تفرع من هذه المسائل مبني على ما قدمنا تأصيله لك. وقد كئا قدمنا مذهب ابن عبد الحكم في الشك في الإقرار: المتيقن به من الإقرار هو الألزم ويقسمه المتداعيان فيه المستويان في شك المقر فيهما جميعا. وهكذا قال: إذا قال: لفلان عندي مائة درهم أو مائة دينار، فإنه يكون للمقر له أقلهما، جريا منه على الأصل الذي ذكرناه.
فاحتفظ بما أصلنا ذلك في هذه المسائل فعليه يدور جميعها مع التفاتك إلى مقتضى عبارة المقر في اللغة أو في الحرف. فإذا تحصل لك معناها عرضت المعنى على المذاهب التي أصلناها لك.
ولو قال في عشر: فلان عنده لفلان أحدها لطلب بتعيينها، فإن عينها لم يقض عليه بخلاف ما عتن، وإن لم يعينها وشك أفي واحدة هي من العشرة عاد الأمر إلى ما عقدناه لك في هذا السؤال الذي نحن فيه وهو شك المقر في أحد ثوبين، وفي هذا ممتنع (1).