تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قال ذلك نسقا وكلاما متصلا قضي بالوديعة لهما. وإن قال: هذه وديعة لفلان، ثم بعد حين قال: أو لفلان معه، أو لفلان دونه، وكان عدلا، فهو كالشاهد على أبيه: يحلف المقز له آخرأ عني ما شهد به، ويقضى له بموجب الشهاده.

وإن لم يكن الولد عدلا أو نكل المقر له (2) آخرا عن اليمين معه قضي بذلك للمقر له أولا، ولا غرامة على الوارث إلا أن يدفع ذلك إلى المقر له أولا، فيضمن للثاني لاستهلاكه حقه بالدفع.

وهذا ينظر فيه إلى طريقة أصبغ. ولعل الذي أنكره ابن سحنون على أشهب فيما قدمنا ذكره عنه محمله على ان العبد لم يقبض أولا، فيكون ذلك مطابقا لما حكيناه عن أشهب في هذه المسألة، في اقراره (3) الوارث بهذه الوديعة لإنسان ثم أقر بعد ذلك لآخر. ولا شك أن مذهب أشهب أن مجرد الإقرار الثاني بعد أن أقر للأول ليس بإتلاف على الثاني يوجب على المقر القيمة. وقد ذكر سحنون فيمن قال في عبد في لديه: هو بيني وبين فلان، وسمى رجلا ثالثا: أنه قيل: إن الذي سماه في الإقرار أولا له نصف العبد، لاعتراف المقر أنه بينه

وبينه، (ويكون لمن أقر له ثانيا، أنه بينه وبينه، نصف العبد الذي بقي في يد المقر، ويكون المقر له ثالثا نصف الربع الذي وقع في يد المقر وهو الثمن، ويبقى للمقر الثمن) (1). قال: وسمعت بعض أصحابنا يقول: يقضى للمقر له أولا بنصف العبد، ويغرم بقيمة هذا النصف لمن أقر له به بعد ذلك.

ولو قال: هذا العبد كله لزيد بل لعمرو ولم (2) يكن لعمرو على المقر شيء. قال أشهب: إلا أن يدفعه المقر إلى من أقر له به أولا. وهذا نفس ما حكيناه من الخلاف في إثبات الغرامة على المقر لكونه أتلف بالقول لا بالفعل.

وكأن أصحاب هذه الطريقة رأوا أن الاستهلاك الموجب للضمان هو دفع الملك لمن لا يستحقه. وأما استهلاك بالقول الذي أقتضى الشرع من أجله الاستهلاك فلا يوجب الضمان وكأن قوله: هذا العبد لزيد، وقوله بعد ذلك: بل لعمرو، وإذن حصل منه اتلافه على عمرو بقول قاله لا بفعل فعله.

وقد اختلف المذهب عندنا في الشهود بزنى المحصن، فرجم بشهادتهم، ثم رجعوا عنها وقالوا: تعمدنا الكذب: هل يقتلون كما لو قتلوه بأيديهم، ويكون قولهم هذا الذي ألجأ القاضي إلى قتله كقتل بأيديهم أم لا؟

وأما ما ذكرنا عن أصحاب هذه الطريقة من التفرقة بين المقر له أولا: هل قبض أو لم يقبض، فإنهم قدروا أن القبض له تأثير يمنع من الشركة. وقد قيل في المذهب الأشهر عندنا: إن من اشترى سلعة من وكيل بائعها فباعها بائعها من آخر بعد أن باع الوكيل، ولم يعلم الوكيل بذلك: إن المشتري الثاني أحق بها إذا قبضها، فإن لم يقبضها كان الأول أحق بها. وقدر من ذهب إلى هذا أن القبض شبهة توجب الترجيح على من هو أحق بالملك على الحقيقة وهو المشتري الأول. وهذا مما يطول استقصاؤه، ولعلنا أن نورد استقصائه في الموضع الذي يتعلق به الكلام على هذا الأصل. هذا الحكم في الإضراب عمن يستحق.

وأما الاضراب عما يستحق المقر له مثل أن يقول: له عندي كذا، بل له عندي. فإنه لا يخلو من أن يكون رجع في الإقرار الثاني إلى زيادة عما أقر به أولا، والنوع واحد، أو إلى أنقص منه، والنوع واحد. فإن رجع إلى زيادة عما أقر به أولا قضي عليه بالزيادة التي رجع إليها، مثل أن يقول: لزيد عندي مائة دينار، بل ألف دينار. فإنه يقضى عليه بألف دينار لا أكثر، لكونه أضرب عن المائة ورجع إلى الاعتراف يكون المائة ألفا. وهذا الحرف الذي هو حرف "بل" يسميه النحاة حرف إضراب في قول العرب: جاء زيد بل عمرو. فكأن المراد أن زيدا لم يجىء وإنما جاء عمرو.

ذكر ابن سحنون عن المخالف أنه يقول: إن القياس إلزام المقر الجملتين جميعا ما أقر به أولا وهو مائة دينار، ثم ما رجع إليه وهو ألف دينار، فيغرم الألف ومائة دينار. قال: ولكنا نستحسن أن لا يلزم المقر الألف دينار.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٧٤