لكن ابن عبد الحكم قال: لو كان ترك الولد مائتي دينار فإن الأب لا يلزم أن يؤدي إلا ثلاثة أرباع إحدى المائتين التي ورثها. وكأنه رأى أن المقر له إنما يستحق من المائتين التي ترك الولد مائة واحدة، فغصبت الزوجة ربعها من هذا المقر له وظلمته في إمساكه عنه، فتكون جائحة ذلك منه، ولا يلزم الأب أن يغرم ما أخذته الزوجة من هذه المائة، وإنما عليه قدر نصيبه من المائة التي أقر بها. وقد فرضنا نحن الكلام في ولدين ورثا أباهما، وأقر أحدهما بدين على أبيه: هل إنما يلزمه ذلك منه ما ينوبه فيما ورث خاصة، وما أخذ الولد المنكر للدين جائحته على الغريم لا يطالب به المقر. وقد بسطنا القول في ذلك، وهذا منه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
إذ الأصل ما أصلناه في السؤال الذي فرغنا منه الآن وهو شك المقر فيمن يستحق عليه، علم منه ومما أصلناه فيه، الحكم إذا شك المقر فيما يستحق عليه.
وقد يشك فيما يستحق عليه وهو متجانس أو مختلف.
ومثاله في المجانس قوله في ثوبين بيده: لفلان هذا الثوب، أو هذا الثوب. أو عبدين: لفلان هذا العبد، أو هذا العيد الآخر. فقال ابن القاسم في المستخرجة في هذا: إن المقر يحلف أنه لا يعلم أي الثوبين للمقر له، فإذا حلف المقر له أنه ما يعلم هو أيضا أي الثوبين له، فإن حلفا كانا شريكين.
وإذا عين المقر أجودهما حيث سلمه للمقر له من غير يمين. وكذلك إن طلب
المقر (1) أدناهما أخذه بغير يمين، ورأى أن التهمة ترتفع عن المقر إذا عين الأجود، وعن المقر إذا عين الأدنى.
ورأى أشهب أنهما إذا نكلا جميعا قضي للمقر له بأدنى الثوبين.
ونحن نؤصل لك سبب هذا الاختلاف، وما تدور عليه أكثر فروع أنواع شك المقر فيما أقر به.
فاعلم أن ما يتيقنه المقر فإنه لا محيص له عنه، وما شك فيه وأيقنه المقر له أخذه، على خلاف في أخذه له: هل يأخذه بيمين أو بغير يمين؟
وإن شكا جميعا: المقر والمقر له، ففي هذا قولان:
أحدهما: أن الذي شكا فيه تسقط غرامته ولا تجب مطالبة المقر من أجله استصحابا لبراءة الذمة.
والقول الثاني: أنه يقسم بين المقر والمقر له لتساويهما في إمكان كون المشكوك فيه لهذا أو لهذا: فيقسم بينهما نصفين، كمال تداعياه رجلان، فإن بنينا على القول بقسمة المشكوك فيه فقد صار أدنى الثوبين كالمتيقن استحقاق المقر له. وإنما يتعرض الشك إلى الأجود من الثوبين: هل يستحق هذه الجودة المقر أو المقر له؟ فيقسم نصفين بين هذين الرجلين. فيخرج من هذا ما ذهب إليه ابن القاسم من كونهما يشتركان في الثوبين حتى يكون أدناهما بينهما وأجودهما بينهما أيضا فتقع القسمة في المشكوك فيه.
ورأى أشهب أن الأدنى هو الذي يتحقق على المقر والأعلى من الثوبين يشك فيه فلا يستحقه المقر له مع الشك فيه.
ومن أصحاب مالك من سلك طريقة أشهب وبناه على ما بني عليه مذهبه إلى أنه لا يستحق عين الثوب الأدنى وإنما يستحق قيمته، وهو اختيار
محمد بن عبد الحكم، وأشار إلى تعليل ذلك بأنهما لو كانا (1) جاريتين لم يحسن أن تسلم أدناهما بعينها إلى المقر له فيستبيح فرجها من غير اعتراف ملكها ولا من هي في يديه أنها لمن أقر له. وإلى هذا المعنى أشار ابن المواز. ولكن الشيخ أبا محمد بن أبي زيد أشار إلى حمل هذا الاعتلال على أن الطالب لا يعلم أيضا عين من يستحق، كانه إذا علم أنه يستحق الأدنى من الجاريتين صار القول قوله، ولم يستبح الفرج على شك بل على يقين أنه له.
وقد كنا نحن تكلمنا في كتاب البيوع على من تبايعا جارية واختلفا في ثمنها وتحالفا وتفاسخا، وعادت إلى يد بائعها: هل يطؤها لأن المشترى لما حلف فكأنه وإن كذب في اليمين كالراضي بدفعها عوضا عن الثمن، فيحل للمشترى وطؤها، ولا يحل للبائع وطؤها لاعتقاده أن المشتري ملكها، وإنما ظلمه في جحوده بعض الثمن وردها عليه ظلما وعدوانا.