وإن كان الإقرار في شيء معين فقال في عبد في يديه: هذا العبد غصبته من زيد أو من عمرو ونسيت الآن ممن غصبته منهما (2). فإنه يدفع العبد إليهما جميعا إذا ادعاه كل واحد منهما. ويغرم مع ذلك قيمته أيضا، لأنه أتلف على أحدهما عبدا بنسيانه له. ثم يكون له (3) العبد بين زيد وعمرو نصفين. وكذلك
تكون القيمة بينهما نصفين، إذ ليس أحدهما أحق بأن تقبل دعواه في العبد من الآخر، فصار كمال يدعيه رجلان لا يدفعان عنه، وليس أحدهما أرجح في دعواه من الآخر، والحكم أن يقسم بينهما بعد ايمانهما. وكذلك هذا العبد وهذه القيمة.
فإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان العبد للذي حلف منهما، وسقط حق الآخر لنكوله عن اليمين لصاحبه. ولم يسقط حق الناكل في نصف القيمة لكون المقر شاكا في استحقاق الناكل لها. وقد تقدم اللفظ (1) بالحكم على هذا المقر بإخراجها من يده.
ولو كان مثل هذا التشكيك في وديعة معينة فقال: أودعني هذه الوديعة زيد (2) وعمرو ونسيت من أودعنيها منهما. فإن فيها قولين:
هل يضمن لأجل نسيانه فيقضى بها لزيد ويقضى عليه لعمرو بمثلها، ويقسم (2) بينهما نصفين بعد أيمانهما أولا يضمن لأجل نسيانه شيئا لكونه مغلوبا عليه فصار كأنه تلف بغير اكتسابه ولا جنايته؟
فإذا تقرر الحكم في تحقق المقر أن في ذمته جنسا من المال وشك في أحد رجلين يستحقانه فأضاف إلى الشك في المستحقين الشك في جنس المستحق عليه، كما قدمنا الأمثلة في الوجهين، فلو كان التشكيك ها هنا من المقر، هل تجب عليه مطالبة لشخص سماه أولا تجب؟ مثل أن يقول: لزيد علي مائة دينار، أو هي له على عمرو، أو يقول: لزيد علي مائة دينار، أو ليست له علي، أوله عندي وديعة، أو ليست له، أو غصبته مالا أو لم أغصبه إياه. فإن المذهب على قولين في هذا النوع من التشكيك:
فمذهب ابن المواز ومحمد بن عبد الحكم أن هذا ليس بإقرار يؤخذ به
المقر. وقدره لما كان غير متيقن بعمارة ذمته على حال كقول ملغى مطرح، إلا أن يضيف هذا الشك إلى من يستحيل أن يضاف إليه، كقوله: لزيد عندي مائة دينار أو هي له على هذا وأشار إلى رضيع ابن أيام، أو هي له على هذا الحجر.
فإن هذا الإقرار يؤاخذ به، وتكون المائة عليه وحده لأنه لم يصرفها عن ذمته إلى من يمكن أن تكون عليه.
ومذهب ابن سحنون أن هذا الإقرار لازم يطلب به المقر وحده دون ما (1) أضافه إليه على وجه الشك فيه، ويعد ما وقع بعد أحرف الشك كالندم منه، كما قدمنا ذكر طريقته في غير هذا من الشكوك. وكذلك مذهب أبيه سحنون.
وقد قال ابن سحنون إن غيرنا خالفنا في هذا. قال: وقد جامعونا إلا أبا يوسف أن القائل: لزيد على مائة دينار أو على هذا الحجر، أن المائة تلزمه دون الحجر، ويعد كالنادم. وكذلك فيمن (2) ذكرناه من الشكوك. وكذلك قال فيمن قال: لزيد علي مائة دينار أو لعمرو على خالد مائة دينار، فإن المائة تلزمه ويكون ما بعد إقراره على نفسه من الشهادة على خالد إن تيقن صحتها شهد بها. وقال: قال غيرنا: لا يلزمه هذا الإقرار.
وهذا كله إذا حقق هذا الأصل الذي قدمناه سهل بناء هذا كله عليه.
وأستلوح منه أن من ذهب في هذه المسألة التي ذكرها ابن سحنون ان اقرار هذا على نفسه ليس إقرارا بيقين يتيقنه، وإنما هو على جهة الشك، هل يلزمه ذلك أم لا؟ وإنما تلزم عمرا لخالد.
ومما يتفرع على مذهب ابن عبد الحكم على هذا الأصل ما ذكره بنفسه في رجل قال: لزيد على مائة دينار أو انما هي له على ولدي، فإن هذا ليس بإقرار كما قدمناه على أصل ابن عبد الحكم، لكن ابن عبد الحكم قال: لو مات الولد وترك مائة درهم فورثها أبوه وزوجته، فإن الزوجة تأخذ ربعها، ويبقى ثلاثة
أرباعها للأب فيسلمها لمن أقر له بذلك، فإن المائة له عليه وعلى ولده الميت، لكون اقراره المتقدم تضمن أنه لا يحل له أن يمنعها منه، لأنها إن كانت الدنانير دينا عليه فلا يحل له منع المقر له بها منها، وإن كانت على ولده فلا يحل له، أن يرث ولده قبل أن يؤدي الدين الذي عليه.