وذهب ابن سحنون: بل تكون لزيد وعمرو، ويسقط حق بكر وخالد بناء على أصله الذي ذكرناه في إسقاط ما بعد حرف الشك. وعلى أصل ابن المواز يغرم مائتين: مائة لزيد وعمرو يقتسمانها، ومائة لبكر وخالد يقتسمانها أيضا.
وعلى المذهب الرابع يسقط الإقرار كله.
ولما ذكر ابن سحنون هذا المذهب في هذا قال: وقال غيرنا: يكون ثلث هذه المائة لأول من سماه وهو زيد، ويكون ثلثها أيضا الآخر لآخر من سماه وهو خالد، ويسقط حق بكر.
وهذا المذهب الذي حكاه لم يظهر لي وجهه إلا أن يقدر أن الشك إنما وقع في رجل واحد وهو بكر الذي جعله ثالثا فيمن سماه، ويكون المراد أنها لزيد وعمرو، ولما ذكر زيدا بحرف التمليك وهو اللام في قوله: لزيد، وذكر عمروا بحرف العطف والتشريك الذي هو الواو، وذكر بكرا بحرف التشكيك
وهو قوله: أو، وعطف على حرف الشك بالواو فقال: وخالد، وحرف الواو قد أوجب أولا في عمرو المشاركة لزيد، وكذلك خالد لما عطف بالواو وجب أيضا أن تكون له مشاركة في المائة الباقية، لكنه لما عطفه بحرف الواو وعلى حرف الشك لم يعطه شيئا، ولكنه أفاد فيه. عطفه بحرف الواو انتقاض ثلث المال عن زيد وعمرو لعطفه عليهما بحرف الواو، ولكنه لم يعطه هذا الثلث لوقوع هذا العطف بعد حرف شك. ولم أقف لهذا المخالف على تعليل في هذا، ولكن ذكر ابن سحنون فيمن قال: لزيد علي مائة درهم أو لعمرو وخالد. أن مذهبه كون المائة كلها لزيد، ويسقط حق عمرو وخالد فيها، لكون عمرو إنما سماه بعد حرف الشك وعطف خالدا عليه فصار عمرو وخالد مشكوكا في استحقاقهما لهذه المائة. ومن مذهبه تقدير ما بعد الشك ندما لا يؤاخذ به المقر كما قدمناه، لكن ذكر عن نفسه أنه كان يقول: إنما يسقط حق عمرو خاصة لأنه هو الذي باشر اسمه حرف الشك، وتكون المائة بين زيد وخالد. فقرر أن خالدا معطوف على زيد فيكون شريكا له في المائة، ولم يجعله معطوفا على عمرو، وقال: لم يتبين لي أن الشك بين الثاني والثالث وهو عمرو وخالد فيسقط حكمهما.
وهذا المذهب الذي رجع عنه. كأنه يلاحظ التعليل الذي عللت به مذهب المخالف. وقد قدمنا يمين المقر لمن طلبه بها (فمن يسقط) (1) حقه في الإقرار.
لكن ابن عبد الحكم قال: لو قال: علي مائة دينار لزيد أو لغلام عمرو، وغلام عمرو غير مأذون له في التجارة، فإن الحكم أن تكون نصفين بين زيد وغلام عمرو بناء على أصله الذي قدمناه.
لكنه ذكر أن زيدا الحر إذا حلف أخذ النصف وإن نكل أخذ العبد جميع المائة من غير يمين عليه، لأنه لو أقر بكونها لزيد دونها (2) لم يلزمه اقراره لحق
سيده في مال أوجبه الحكم لعبده. واقرار العبد بما يتلف مال سيده (1) ولا ينفذ له ولا يلتفت إليه. فإذا تقرر الحكم في تحققه في ذمته مالا معلوما وتشكك فيمن يستحقه عليه، فلو أضاف إلى هذا الشك في جنس ما استحق عليه، مثاله أن يقول: لفلان علي مائة دينار أو لفلان علي مائة درهم، فإنه إذا أنكر أن يكون لكل واحد منهما عليه بأقل الجنسين اللذين أقر بهما وهذا الدينار فيكون بين الرجلين المقر لهما إذا اتفقا على أخذه.
وكذلك إذا قال: لزيد علي مائة دينار ولعمرو علي مائة قفيز قمح، أو لخالد علي مائة قفيز شعيرا. فإن زيدا يقضى له بالمائة دينار، ويبقى الشك في الإقرار ما بين عمرو وخالد، فإن أقر لأحدهما وانكر الآخر حلف له، وسقط حق من حلف له صاحبه، وإن نكل عن اليمين وحلف المنكول له عن اليمين غرم المقر، وإن حلف لهما قضي عليه بالأقل ثمنا من القمح أو الشعير وكان بين زيد وخالد اللذين أقر لهما على جهة التشكيك. هذا مذهب ابن عبد الحكم كما قدمنا ذكره.
ومذهبه انه تثبت المائة دينار لزيد وتثبت المائة قفير لعمرو، وسقط حق خالد، لما قدمناه لكونه يرى أن ما وقع بعد حرف الشك فإنه كالندم والقصد إلى رفع ما ثبت عليه بحكم ما قبله من الإقرار لعمرو. وقد ثبت الأمر في هذا أيضا على ما قدمناه من التخريج على المذاهب الأربع.