تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتلخص منه أربعة مذاهب:

أحدها: إثبات الغرامة لكل واحد ممن شك المقر في كونه يستحق عليه ما

أقر به. ورأى أنه لا يسوغ له التمسك بمال يشك فيه: هل يستحقه غيره عليه.

ورأى ابن عبد الحكم أن اقراره إنما يتضمن الشك فيمن يستحق ما أقر به.

ولكن مقتضى قوله: إنه يتيقن عمارة ذمته بالألف التي أقر بها لا أكثر منها، ويشك في مستحقها فيقضى عليه بما تيقنه، ولا تلزمه الغرامة مع الشك، على ما ذكرناه أيضا عن أبي حنيفة.

لكنه لخص من مضمون الإقرار جملة متيقنة، وإنما وقع الاشكال فيمن يستحقها، فيقسم بين المتشكك فيه، فتبرأ ذمته مما اقتضاه قوله من المتيقن.

وكأن أبا حنيفة أفرد كل واحد من زيد وعمرو معه، وكل واحد منهما لا يستحق المقر أنه يستحق قبله شيئا، فلا تلزمه غرامة له بالشك، فلهذا أسقط الإقرار على الجملة والتفصيل.

ولكن هذا المذهب الذي حكيناه عن أبي حنيفة نقله عنه ابن عبد الحكم فيما إذا أنكر المقر أن يكون لواحد منهما قبله شيء، وأنكر ذلك عليه وقال: هذا فاسد. أرأيت لو كان هذا الإقرار تبقي له ما أدري ما يقول أبو حنيفة في هذا. فإن التزمه لم يكن لابن عبد الحكم -بما ذكرنا- مناقضة له. وأطرد ما علل مذهبه به. وابن عبد الحكم لم يسقطه على الجملة فيسقط ذلك حكم التيقن.

وقد قال، فيما حكيناه عنه،: إنه يخرج المقر الألف يقسمها زيد وعمرو، ليبرأ مما تيقن استحقاقه عليه. قال: ولو أبرأه زيد أو عمرو من هذا الإقرار وقال: لا استحق قبل المقر شيئا لم يلزم المقر غرامة الآخر الذي لم يبره لإمكان أن يكون الحق لمن أبرأه منه، وقد أسقط عليه، فإن عدم التيقن مع إبراء أحد الرجلين، وهو إنما تثبت الغرامة إذا حصل التيقن على الجملة أو هو لا يحصل مع اعتراف أحدهما المقر (1) أنه لا يستحق قبله شيئا.

فهذا تلخيص المذاهب الأربع والاشارة إلى الأصول التي بنيت عليها.

فإذا تقررت المذاهب الأربع فإن طريقة أشهب وسحنون إسقاط حكم اللفظ الواقع بعد حرف الشك.

وما أراهما صارا لذلك إلا حملا منهما ما وقع بعد حرف الشك يعد ندما من المقر، فكأنه لما قال: لزيد علي ألف درهم، ندم على ما فرط منه مما يوجب عمارة ذمته، فاستدرك هذا بأن قال: أو لعمرو، ليرفع حكم ما اقتضاه اللفظ الأول من كون قائله متيقنا أن لزيد عنده ألف درهم.

وابن عبد الحكم يرى أن الألف عمرت ذمته بها، ولكن لا يدرى من يستحقها، قسمت بين من يشك في إستحقاقه لها.

وابن المواز يرى أن شك المقر لا يرفع عنه المطالبة بما شك في كونه في ذمته لمن أقر له به ولم يلزم المقر له يمينا لأنه لا يمكن من ردها على الشاك.

والمذهب الرابع الذي قدمناه إسقاط حكم الإقرار مع الشك بأسره.

ونحن نضرب لهذا مثالا حتى يرسخ في النفس تصور التفريع على هذه المذاهب:

فإذا قال القائل: لزيد عندي مائة دينار، أو لعمرو. فهذا (1) اللفظ الذي صورنا فيه المذاهب الأربع.

فلو زاد زيادة فقال: لزيد عندي مائة دينار، أو لبكر وخالد، فإن مقتضى هذا اللفظ كون هذا المقر متيقنا أن في ذمته مائة دينار، وهو يشك: هل جميعها لزيد، المسمى أولا، أو لا شيء له فيها وجميعها لخالد وبكر جميعا، فتقسم نصفين بين المشكوك فيها وهو زيد فيأخذ نصفها، وبكر وخالد يأخذان النصف الآخر. وهذا مذهب ابن عبد الحكم في هذه المسألة.

ومذهب سحنون فيها أن المائة كلها لزيد، ويسقط ميت سماه بعده على جهة الشك فيه، كما قدمناه.

وعلى مذهب ابن المواز يغرم مائتين: مائة لزيد ومائة يقسمها بين بكر وخالد، لكونه شاكا في كون بكر وخالد يستحقانها عليه. وأصله التغريم بالشك.

وعلى المذهب الرابع، الذي حكيناه، تسقط عنه الغرامة للجميع: زيد ومن ذكر بعده.

ولو قال: لزيد ولعمرو عندي مائة دينار، أو لبكر وخالد، فهذا أيضا مقتضى لفظه كونه متيقنا أن في ذمته مائة دينار لا يدري من يستحقها عليه: هل زيد وعمرو أو بكر وخالد فإن سماها بعد ذلك للأولين: زيد وعمرو، وتحقق أنها لهما سقط حق بكر وخالد بعد يمينه لهما إن أنكرهما، وإن لم يعينها لزيد وعمرو وبكر وخالد قسموها أرباعا، وإلى هذا ذهب ابن عبد الحكم.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٦٨