تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخالف ابن كنانة في هذا: إن طلبها بمجرد هذا الإقرار لم يقض له بها، وإن طلبها بدعواه أن أباها زوجها منه قبل هذا الإقرار الخارج مخرج هذا الاعتذار فإنه يقضى له بتزويجها. وهذا يبسط القول فيه في كتاب النكاح بأوسع من هذا إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:

الشك يقع من المقر في محلين:

أحدهما: من يستحق عليه ما أقر به مع علمه بجنس المقر به.

والثاني: أن يشك في المقر له مع علمه بالمقر به.

فأما إن شك فيمن يستحق ما أقر به مثل قوله: لزيد على ألف درهم أو لعمرو. فإن ظاهر هذا اللفظ يتقثد بعمارة ذمته بألفء درهم وتشكيكه من يستحقها: زيد أو عمرو. فالذي وقع لأشهب وسحنون في هذا فيما حكاه ابن سحنون عنهما أن الألف لزيد وهو المنطوق به أولا في الإقرار فيستحقها كلها، ولكن بعد أن يحلف: إني أستحقها عليك أنها المقر، وإني لا أعلم لعمرو فيها شيئا. ولو قال: أتحقق ما أقر لي به، ولكنه (2) أطلبه بموجب إقراره، فإن من

حته ذلك، ولكن إنما يحلف لعمرو: إنه لا يعلم له فيها حقا. وكذلك يحلف المقر لعمرو: إنه لا يستحق قبله شيئا. ولا يكون لعمرو مطالبة على المقر. فإن نكل المقر عن اليمين لعمرو حلف عمرو واستحق عليه الألف مثل ما استحق صاحبه الذي هو زيد.

وقال ابن عبد الحكم: إن اتفق زيد وعمرو وقسصت الألف فذلك لهما، ولا يمكن المقر من امتناعه من أدائها لهما، لأنه تضمن إقراره تيقنه بعمارة ذمته بالألف درهم، وإنما وقع شكه: هل يستحقها زيد أو عمرو؟ وإذا رضي زيد وعمرو بقسمتها فلا مقال للمقر.

وإن ادعى الألف كل واحد من زيد وعمرو لنفسه وحلفا عليها اقتسماها. وإن نكلا عن اليمين اقتسماها أيضا لتساويهما في الدعوى، وتساويهما في طرق الترجيج بينهما في اليمين أو في النكول. وهذا إذا كان المقر يجحد الإقرار وينكر دعواهما.

وقال ابن عبد الحكم، في موضع آخر من كتابه،: هذا إذا كان يحلف المقر لهما لتسقط عنه غرامة ألف ثانية. فإن نكل عن اليمين عنه. ولم يسقط ابن عبد الحكم عن المقر الغرامة أصلا ولو حلف لهما، ولكنه حكى عن أبي حنيفة أنه إذا حلف لهما سقط عنه حكم الإقرار الذي شهدت به البينة.

وقال ابن عبد الحكم: هذا فاسد، أرأيت لو كان اقراره هذا في دنانير بأعيانها أو دار بعينها؟ ومذهب ابن عبد الحكم أن المقر لو رفع التشكك عنه، وقال: هي لزيد وحده، أو لعمرو وحده، لقبل منه ذلك، وحلف لمن أنكر أن يكون له. ذكر ذلك فيمن قال: لزيد عندي مائة دينار، ولعمرو أو خالد عندي ألف درهم، أن الدنانير يختص بها زيد، إذ مقتضى اللفظ أنه لا يشك في استحقاق زيد عليه ما أقر له به من دنانير، وإنما الشك في الدراهم: هل هي لعمرو أو لخالد. وذكر ابن سحنون هذه المسألة، فقال: أما الدنانير فإنه يقضى بها لزيد في إجماعهم، وأما الدراهم فيقضى بها لعمرو، ويسقط حق

خالد فيها. وقال غيرنا: بل يسقط في الدراهم حق عمرو وخالد جميعا.

والذي ذكره ابن سحنون في إثبات الدراهم لعمرو لكونه المنطوق به أولا في لفظ التشكيك، في سقوط حق خالد، هو الذي حكاه فيما ذكرناه عنه أولا عن أشهب وسحنون.

وذكر ابن المواز فيمن أقر أنه تسلف مائة دينار من زيد أو عمرو، أو صارت إليه وديعة من زيد أو عمرو، وأنه يقوم لكل واحد منهما ما شك في كونه مستحقا له عليه من سلف أو وديعة، من غير يمين تلزم كل واحد من المسلفين أو المودعين. كما لو ادعى رجل على رجل بمال فشك المدعى عليه في صدق المدعي، فإن المدعي يقضى له بما ادعاه من غير أن يستحلف. لكنه ذكر أن المقر على جهة التشكيك لو مات لم يقض في هذا في تركته إلا بعد إليمين على زيد وعمرو. وأشار إلى أن الفرق بين حياته وموته كونه إذا مات يجوز -لو بقي حيا- ان يرفع التشكيك عن نفسه وينكر الإقرار، فلهذا استظهر باليمين على من طلب تركته. وإذا كان حيا وتمادى على تشككه فقد أمن من رجوعه عن الشك إذا قضي عليه وهو لم يرجع عن الشك. وذكر أيضا أن هذا الذي أقر على جهة التشكك لو بقي حيا وأكذب عمروا وزيدا في دعواهما عليه بما أقر على جهة التشكك، فإنه يحلف لهما، ويرد اليمين، ويغرم لمن رد اليمين عليه. ومقتضى أهل المذهب أن يكون إنما يقيده (1) ألا يغرم لكل واحد منهما الجملة التي أقر بها، كما يلزمه لو بقي على تشككه. لكن ما قدمناه مما حكيناه عن أبي حنيفة يسقط حكم الإقرار الأول إذا حلف لهما ولا يغرم لهما شيئا. فأنت ترى هذا الاضطراب في شك المقر فيمن يستحق ما أقر به.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٦٧