ومن هذا الأسلوب ما ذكر في المدونة في سلم أسلمه رجل (2) إلى رجل فأقال أحد الرجلين المسلم من جميع ماله عليه فإنه في المدونة أجاز هذا وأجرى عقدهما مجرى عقدين منقودين (3)، فيمنع أن يقيل أحدهما من بعض ماله ولا يمنع أن يقيله من كل ماله كما قدمناه في العقد الواحد المنقود (3) به رجل واحد. وأنكر هذا الجواب سحنون ومنع من هذه الإقالة لما كان الشريك من حقه أن يدخل على شريكه فيما اقتضاه من دين بينهما، وإذا وجب دخوله عليه فيما اقتضاه من دين بينهما لم تجز هذه الإقالة لأجل أنه يكون مقيلا من بعض ماله لا من كله. وقد اختلف اعتذار الأشياخ عن هذه المسألة، فمنهم من يشير إلى أن هذا الجواب إنما يصح على ما أشار إليه غير ابن القاسم في المدونة من أن أحد الوليين إذا صالح عن نصيبه في دم عبد بعبد، أن شريكه في طلب هذا الدم لا حل عليه في العبد الذي أخذه. ويقتضي هذا أن لا يدخل شريك على شريك فيما اقتضاه من سائر الديون من إثبات المشاركة فيما اقتضاه أحد الشريكين [من دين بينه وبين شريكه] (4)، وأيضا فإن الذي ألزم غير ابن القاسم أن يقول به في سائر الديون المشتركة لا يلزمه لأن هذا الدم ليس بمال، وإنما الحكم في قتل العمد القصاص أو ما تراضيا عليه من مال. فإذا كان المال لا
يثبت في دم العمد إلا بتراضي ولي الدم والقاتل، فقد صار هذا العقد المأخوذ، وليس بمال مشترك بين وليي الدم، ولا عوضا عما لم يشترك. ولو قلنا بمذهب أشهب أن لولي الدم أن يجبر على الدية وله أن يقتل، لكان في هذا أيضانظر.
ويمكن أن يقال بأنه لا يكون مالا حتى يختار الطالب بالدية، فكيف جرت الحال فإن الدين المستقر في الذمة عن معاملة رجلين شريكين في المعاملة، بخلاف مال لا يستحقه أحد الشريكين إلا برضاه ورضا القاتل، أو يستحقه ولكن بعد أن يختاره على ما سواه مما خير فيه وهو القصاص. ولما لم يتضح هذا العذر قال بعض الأشياخ: إنما نفرض المسألة التي وقعت في المدونة على أن هذين الرجلين اللذين لهما السلم تقاسما الدين الذي على المسلم إليه، ورضي كل واحد أن ينفرد بنصيبه. فإذا تقاسماه وتراضيا على ذلك لم يكن لأحدهما دخول على الآخر فيما اقتضاه، كما ذكر في المدونة أنه إذا اعتذر لشريكه فلم يقبض معه أنه لا يدخل معه فيما اقتضاه. ورأى بعضهم أن هذا تعسف فعدل عنه، وقدر أن هذه الإقالة والشركة والتولية (1)، وما ذلك إلا لكون الإقالة في هذا السلم وطريقها المعروف لم يجر مجرى سائر الديون المشتركة، ولم يدخل الشريك الذي لم يقل على شريكه المقيل. وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد أن العذر في هذا أن الإقالة ها هنا إذا وجبت المشاركة فيها فسدت، فمنع من المشاركة فيها، فكأنها (2) يشير إلى أنه إذا كان دخول أحد الشريكين على شريكه في هذه الإقالة لأجل فقد ما يدخل عليه لفساد الإقالة وردها (فصار كفرع - يبطلان أصله وإذا كان الفرع يبطلان أصله كان هو الباطل دون أصله) (3)، فدخول الشريك على شريكه في هذه الإقالة فرع عن ثبوتها، وإثبات دخوله عليه يمنع من ثبوتها فقد صار الفرع كر ببطلان أصله فوجب أن يبطل هذا القدر الذي أشار إليه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد. ولكن لم ينص على وجه الفساد، وقد
نص عليه فضل بن سلمة لما قدمنا الإشارة إليه، وهو أن دخول الشريك الذي لم يقل على المقيل يصير المقيل مقيلا على بعض ما أسلم فيه، وقد قدمنا أن الإقالة إنما تجوز على كل السلم لا على بعضه. وأشار الشيخ أبو عمران إلى طريق أخرى في فساد الإقالة: إنما تجوز على كل (1) ها هنا يقتضي خيار الشريك الذي لم يقل بين أن يمضي الإقالة أو يشارك فيها، والإقالة على خيار لا تجوز لما تضمنته من التأخير، والتأخير في الإقالة ممنوع، وكلا الوجهين إذا فسدت لهما الإقالة كان عذر فيما قدح به سحنون في جواز الإقالة. ونحا الشيخ أبو الحسن ابن القابسي إلى ناحية أخرى في الاعتذار، وسلكها بعده الشيخ أبو القاسم بن الكاتب، وهي أن الإقالة ها هنا كأنها سائغة لمن عليه السلم، فيصير من عليه السلم شريكا لمن كان المقيل شريكه، فحل في ذلك محل بيع أحد الشريكين نصيبه من الدين من أجنبي لم يدخل عليه شريكه، لكون الذمة التي عوملت بالسلم إليها بقيت على حالها، بخلاف الاقتضاء فإن أحد الشريكين إذا اقتضى نصيبه فإنه قد أوهن ذمة الغريم المشتركة بينه وبين شريكه، وأخلاها مما أعطاه، فكان لشريكه في ذلك مقال مع كون الإقالة طريقها المعروف. ولا ينتقض هذا بصلح أحد الشريكين عن نصيبه من الدين، فإنه ذكر في المدونة أنه إذا صالح على نصيبه من الدين كان لشريكه أن يدخل عليه فيما صالح به لكون الصلح ها هنا يحل محل الاقتضاء، وكان القصد به الاقتضاء لا المبالغة. وهذه الطريقة قد لا يصح فيها وجه التفرقة بين صلح أحد الشريكين وبين إقالته؛ لأن الصلح يتصور أيضا كون الشريك كبائع نصيبه من الدين من أجنبي.