وهذا الاعتذار يقتضي جواز هذه الهبة إذا عجلت قبل الأجل، لكونها وقت تعجيلها لم يجب على دافعها طلب.
وقد ذكر في كتاب ابن المواز اختلافا فيمن له سلم مائة قفيز محمولة فسأل من عليه أن يحولها سمراء يأخذها عند الأجل. واعتذر بعضهم عن هذا بأن المكارمة ها هنا إنما وقعت في تحسين صفة ما يقضى، والشعبي عليه السلام قد ندب إلى ذلك وقال: بأن (خياركم أحسن قضاء) (2)، والقرض يباح أن يقضى على صفة هي خير مما قبض، ويمنع في المشهور أن يقضى على عدد أكثر مما قبض، لكون الزيادة في الصفة حسن قضاء، بخلاف زيادة العدد.
ومنهم من يشير إلى ما ذكرناه من كون الهبة معلق قبضها بالأجل قبل استحقاق الطلب فلم يمنع.
ولو وقعت الإقالة على رد رأس المال كله أو رد بعضه مع بقاء السلم على حاله إلى أجله، فإن ذلك ممنوع أنه لا يتصور فيه ما قدمناه من أن المردود من رأس السلم إنما قبض على جهة السلف، وتعاقدا على أن عوض المنفعة بالسلف ما أبقياه في الذمة برسم السلم، فيصير ما دفعه على أنه برسم السلم عوض الانتفاع لما رده من جميع رأس المال أو من بعضه. ورأى عيسى بن دينار أن هذا إنما يمنع فيمن يتهم على القصد إليه، وأما إذا كان المتعاملان من أهل الصحة والبعد من التهمة فإنهما لا يمنعان من هذالأولا يتهمان على إبقاء جميع السلم في الذمة، وجعل ما سمياه رأس مال السلم قصدا به السلف.
وإذا تقرر أن الإقالة من بعض رأس المال، الذي هو دنانير أو دراهم وما في معناهما لا يجوز، لما صورناه من التحيل على البيع والسلف، فإن رأس مال
السلم لما (1) نقد بعضه ولم ينقد بعضه فإن ابن المواز ذكر أن الإقالة تجوز في المنقود كله لا في بعضه ويجوز في كل ما (2) لم ينقد وفي بعضه. ويجوز فيما نقد وما لم ينقد وقد عارضه الشيخ أبو إسحاق في أحد هذه الأقسام الخمسة بأن قال: إذا أجاز الإقالة من جميع المنقود خاصة فإنه يتصور من التهمة فيها ما يتصور في الإقالة من بعض المنقود وهو قد منع منه، وقدر أن ما ارتجع من المنقود سلفا (3) وما أمضاه منه بيعا (3)، فكذلك تصور الإقالة من جميع المنقود؛ لأنه يقدر فيه أن المنقود إذا رد كله بالإقالة فيما قايله كان ما أمضاه من الصفقة مما لم ينقد بيعا مستقرا لا يعاد فيه، فبعد أنه (4) قارنه السلف، وهو الانتفاع بالمردود الذي نقد.
وهذا الذي قاله صحيح على أصل المذهب في القول بحماية الذرائع والتهمة تتصور في رد المنقود كله كما تصورت في بعضه ولا يقدر أن المنقود كأنه عقد منقود (5) لأنا لو قدرنا ذلك لصح ما قاله ابن المواز، لأجل ما قدمناه من أن العقد الواجب إذا وقع المنقود فيه جازت الإقالة من كله لا بعضه، وهذا ها هنا المنقود هو بعض المعقود عليه، يجب أن يمنع الإقالة في المنقود كله لأنه بعض العقد كما منعت الإقالة في بعض المنقود.
ولو اعتذرنا عن هذا بأنه إذا أقال ها هنا من جميع المنقود لمن يمنع لأنه لا يسترجع المنقود بل يقاصه به فيما لم ينقد، مثل أن يكون أسلم إليه مائة دينار في مائة ثوب فنقد خمسين دينارا ثم أقال منها، فإنه إن طالب برد الخمسين دينارا بحكم الإقالة طالبه من عليه السلم بإمساكها في الخمسين الدينار التي بقيت عليه ولم ينقدها، فتصير الإقالة كأنها وقعت فيما لم ينقد، والإقالة فيما لم
ينقد جائزة في كله أو بعضه على ما قدمناه فإن هذا القدر يتصور في الإقالة من بعض المنقود؛ لأنه إذا طالبه بارتجاعه طالبه بأن يقاصه به فيما بقي له عليه ما (1) لم ينقد، فتوجه ما عارض الشيخ أبو إسحاق، ولم يصح العذر عنه بأنه يقدر المنقود وغير المنقود كالصفقتين، لكون العقد عقدا واحدا يشتمل عن الجميع، ولم يصح العذر عنه أيضا بتقدير المقاصة التي صورناها لكونها تتصور في كل المنقود وفي بعضه تصورا متساويا وهذا اضح.