تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واختلف هل يلزم الوصي إذا قبض هذا المال من الغرماء لليتامى أن ينظر فيه كما ينظر في غير ذلك من أموالهم أم لا؟ فقال: ليس ذلك عليه، لاعتقاده أنه أخذ ظلما وعدوانا، ممن هو برىء منه. فمقتضى قوله: يبرأ الغريم، أنه لا يحل له النظر لليتامى فيما أخذلهم من ذلك.

وقيل: بل ينظر فيه كما ينظر فيما سواه من أموالهم التي هي على ملكهم بالوجه الواضح، لأنه قد التزم النظر في مإل هؤلاء اليتامى وصيانة مالهم فليس له التخلص من ذلك بعد التزامه وموت أبيهم الموصي عليهم، بل يتهم في هذا الاعتراف ببراءة الغريم أن يكون أراد التخفيف عن نفسه، وإسقاط المشقة عنه، في تكلف صيانة هذا المال وحفظه والنظر فيه.

وأما إقراره بأنه باع لهم سلعة كذا واشتراها، وأخذ أثمان ما تولى بيعه من أموال اليتامى فإن قوله في ذلك مقبول ما دام اليتامى في ولايته لم يرشدوا ويكون هذا الإقرار كإقرار اليتامى على أنفسهم وهم رشداء كما قدمناه. وأما لو كان إقراره بقبض هذه الديون التي عامل بها من أموال اليتامى، فإن المذهب على قولين في الاكتفاء بمجرد إقراره:

ففي الموازية أنه لا يكتفي بذلك دون أن يحلف الغرماء الذين أبرأهم الوصي مع شهادتهم بإبرائهم إن كان عدلا. وهذا كنحو ما ذكر في المدونة في إقرار أحد الشريكين المتفاوضين بعد موت شريكه وانقطاع المعاوضة بالموت:

أن السلعة التي في يد فلان رهناها في كذا وكذا دينا استدناه، فإنه جعل الشريك ها هنا شاهدا أيضا، مع كونه أضاف هذا الإقرار إلى من كان مقبول القول فيه على شريكه، ولكنه وقت إيقاع هذا القول لم يكن مصدقا على شريكه. وهذا على نحو ما اختلف في شهادة الحميل وعلى نحو ما اختلف في الوكيل على بيع سلعة إذا أقر بعد بيعها بفساد البيع، لأنه أضاف هذا الإقرار وأسنده إلى زمن كان فيه وكيلا، ولكنه لم يسمع منه إلا الآن في زمن انقطعت وكالته فيه. وكذلك الوصي وقع منه هذا القول مسندا إلى زمن كان مقبول القول فيه، ولكنه وقع منه هذا القول في زمن صار غير مقبول القول فيه.

وذهب سحنون إلى أن الوصي مصدق في ذلك. هذا المذهب بناء على إحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما. وقد اختلف في العامل بالقراض إذا قال بعد المعاملة: نسيت النفقة. هل يصدق أم لا؟ وهو لو قال ذلك في زمن لم ينفصل فيه من رب المال لصدق أيضا (1). وإذا ادعى الوصي أنه دفع ما على الأيتام من ديون وخالفه مستحقوها، وأنكروا أن يكون دفع إليهم شيئا، فإن القول قولهم، إذ لا يبرأ من عليه دين بمجرد قوله: إني قضيته، إلا ببينة أو دلالة عادة.

ويضمن ذلك لليتامى، لكونه فرض (2) إذا قضى ديونهم بغير إشهاد على مستحقها. فإن اعتذر بأنه قد أشهد ولكن الشهود غابوا أو ماتوا أو قسموا (3).

فإن أشهب لم يقرره (4)، ورأى أن الأصل عدم الإشهاد، وإنما يبرأ الوصي بالإشهاد. فظاهر فعله التعدي، ودعواه رفع التعدي لا يقبل منه بإثبات

استصحابا لحال الأصل في عدا (1) الشهادة.

ورأى سحنون أن الزمن إذا طال حتى يمكن ما قال، فإن قول الوصي مقبول. ورأى أن الأصل براءة الذمة فنحن نستصحب حال براءة ذمته ولا نعمرها بالشك، هل صدق أم لا؟ وإذا كان الوصي عالما بان على الميت دينا وخفي، له أن يقضيه ويسدده من غير أمته (2)، إذ لا بينة تشهد بصحة الديون سواه، فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى أن يفعل ذلك فإن شهد به عدول عند قاض وحكم به، وجب عليه الدفع، وإن أراد الاقتصار على سماع الشهادة بنفسه وقبولها لتحققه عدالة الشهود دون الرفع إلى القاضي، فإن أشهب يسوغ له ذلك، قال: والثقة أن يرفع إلى القاضي. وهذا لأن اليتامى لو بلغوا وجرحوا الشهود وسقطت شهادتهم، ووجب لهم استرجاع هذا المال، كان للوصي أن يسترجعه أيضا إن ضمنوه إياه. وبعض الأشياخ مال إلى أنه لا يجب على الوصي ضمان في هذا المال؛ لأن القاضي لو رفعت إليه الشهادة لم يعذر فيها إلا الوصي، فإن سلمها أنفذ القضاء إذا كان الشهود عدولا. فلأجل انحصار هذا الأمر إليه، وإن رفع إلى القاضي، ينبغي ألا يتعلق به ضمان ما دفعه على هذا الوجه. وقد ذكرنا في كتاب المديان مسائل تتعلق بأحكام الهبة واشتراط الحوز في إمضائها، وذكر منها أنه من استقرض دنانير ثم وهبها قبل قبضها لآخر، وذكر الخلاف في هذا إذا وقع الموت قبل الحوز. وسبب الخلاف كون هذه الهبة يتعلق بها حق لغير الموهوب.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٥٩