تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ممن تقبل شهادته أفاد المقر له اليمين مع شهادة المقر بأن يأخذ دينه كله ويرجع على الوارث الجاحد.

وأما على طريقة أشهب، الذي يرى أنه يأخذ الدين كله مما في يد المقر فإن هذا مما ينظر فيه لكون هذا المقر له لا فائدة في يمينه إذا وجد طريقا إلى أخذ جميع دينه من يد المقر. فكانه إنما يحلف لإفادة غيره، وهو هذا المقر يفيده أن يرجع إلى أخيه، وينفي عن نفسه المطالبة بما وجب عليه.

وهذا بيان الحكم في إقرار أحد الورثة بدين في ذمة أبيه.

وأما لو أقر باستحقاق رجل عرضا من تركة أبيه مثل أن يترك عبدا فيقول أحد الولدين: هذا العبد لفلان وليس لأبي .. فإن نصيب هذا المقر يقضى به للمقر له، لكون المقر يعتقد أنه لا يحل له أن يرثه عن أبيه لكون هذا المقر له يستحقه. ولا يقضي إقراره هذا في نصيب أخيه إذا لم يكن عدلا ممن يحلف المقر له مع شهادته، ويصير العبد نصفين بين الولد الجاحد لهذا الإقرار، وبين المقر له.

ولو كان الأب ترك عبيدا جماعة، فقد قيل: الحكم ما ذكرناه، وليس للمقر له سوى نصف العبد المقر له به. وهو ظاهر كتاب الوصايا في المدونة، لأنه ذكر أن الميت ترك عبيدا كثيرة، وأطلق الجواب بما ذكرناه.

وقيل: إذا لم يسلم المنكر لهذا الإقرار فإنه يكون جميعه له، ويرجع المقر له على المقر بمقدار ما زاد نصيبه في القسمة، عوضا عن نصيبه في هذا العبد سلم، ويصير كمن باع عبدا لغيره، فإن عوض العبد المبيع عليه العبد وإن صار بالقسمة إلى المقر أخذ جميعه المقر له لاعتراف من صار له بالقسمة أنه قد صار إلى يديه جميع العبد، وليس لأبيه فيه ملك ولا شركة في ملك، وإنما ملك جميعه هذا المقر له) (1).

ولا يلزم أن يتخرج في هذا الخلاف المشهور فيمن فدى من أيدي اللصوص شيئا أنه يستحق على مالك الشيء المفدى ما فداه به، إن شاء ربه أخذه، لأنه لولا الفداء ما وصل إليه ربه إن (1) الفادي لمال غيره دخل في ذلك باختياره، وقدر أنه من حسن النظر لرب المال، وهذا الولد المقر إذا صار إليه جميع العبد الذي أقر أنه لغير أبيه فنصفه الذي يستحق ميراثه أخوه المنكر لهذا الإقرار، وإن كان هذا المقر قد دفع عنه عوضا من ماله حتى خلص جميعه إليه فإنما هذا إنما هو بالجر، وحكم الشرع يوجب القسمة ولم يدفع عوضا باختياره ليفديه لصاحبه، بل أخوه عنده في حكم الغاصب الذي غصبه نصف هذا العبد بدفعه لأخيه المقر، وأخذ من مال أخيه عوضه. والغاصب إذا غصب للإنسان سلعة، ودفع إليه سلعة أخرى عوضها، وجبره على ذلك كله، فإن السلعة المدفوعة لهذا المغصوب منه سلعة يستحقها صاحبها إذا كانت مغصوبة أيضا من غير أن يدفع عنها عوضا، فيبعد الخلاف في هذا الذي يقدر أنه فدى لما كان بالجبر والإكراه، ويحسن الخلاف فيما كان بالاختيار. ولو فدى فاد شيئا مما كان في يد أهل الحرب، وأخذوه في غنائم المسلمين، لرجع بما فداه لأنه كالمشتري له من قوم يستحلون في شرعهم تملكه، على ما بسطنا حكمه في كتاب الجهاد.

والجواب عن السؤال الحادي عشر (2) أن يقال:

إقرار الوصي على من في ولأنه بحق فيما تولى المعاملة لهم فيه، فيقبل قوله فيما أخذه من غرمائه أو باع منهم أو اشترى؛ لأن الشرع أقامه مقام أبيهم، وأبوهم أقام الوصي مقام نفسه. وكذلك أقام الشرع آباءهم مقام أنفسهم، لو كانوا بالغين رشداء لعجزهم عن النظر لأنفسهم، فجعل ذلك لأبيهم، وليس لأبيهم ولا لوصيهم أن يدعي على أحد بدعوى توجب لليتامى مالا لم يثبت.

والوصي والأب كالأجنبيين لا علاقة بينهما وبين اليتامى. لكن ما تولى الوصي المعاملة فيه فله المطالبة به والدعوى، لأن فعله يقوم مقام فعل اليتامى بأنفسهم. ولو ادعى اليتامى لأنفسهم، وهم رشداء لمكنوا من ذلك. وكذلك من أحله الشرع في محفهم ونائبا عنهم. فلو قال الوصي: قبضت مالا من الغريم لليتامى من سلف أسلفه أبوهم في حياته، أو ثمن سلعة باعها في حياته، لم يقبض بذلك على اليتامى، وإنما يكون شاهدا لمن عليه الدين، من سلف أو بيع، فإن كان عدلا حلف معه الغريم، وبرىء من الديون التي كانت للأب. وإن لم يكن عدلا، وردت شهادته، لم يبرأ الغرماء من الديون التي كانت للميت عليهم. وكذلك لو كان الوصي عدلا، ونكل الغرماء على اليمين مع شهادته، لم يبرأوا أيضا من الدين.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٥٨