وأما الرواية الأخرى فقد أشار إلى تعليلها بأنه لو أخذنا المقر بجميع الدين، ونزعنا جميع ما في يديه، لم يقر أحد من الورثة بدين على أبيه، لأجل أنه يؤخذ منه جميع ميراثه فيه ويبقى بلا ميراث دون غيره من الورثة. فاقتضت
المصلحة على هذا المذهب تسهيل باب الإقرار بالحقوق على الورثة، فإذا علم الوارث أنه لا يؤخذ منه إلا مقدار ما ينوب ميراثه من الدين إذا قسط الدين على ما في يد المقر ويد غيره خف عليه الإقرار وانتصل (1) من هذا الحق. وإذا علم أنه يؤخذ من يديه ما يستحق عليه منه وما يستحق على بقية الورثة هرب من هذا الإقرار وكان هذا من الدواعي المعينة على جحد الحق. وهذا كما يقال: إن شاهد الزور إذا أقر أنه شهد بالزور لم يعاقب، إذ لو عوقب لم يرجع أحد عن شهادة شهد فيها بالزور، فكانت المصلحة تقتضي رفع حق الله سبحانه ها هنا في العقوبة على شهادة الزور، كما كانت المصلحة تقتضي ألا يؤخذ المقر من الورثة إلا بما ينوبه ويسقط حق المقر له لأجل هذه المصلحة أيضا. وإن كان الموجود من المال بيد الوارث الذي يعتقد أنه ليس بغاصب له ولا ظالم في جحوده الدين، على ظاهر ما يقول يقدر كأنه موجود لم يقسم فيكون قضاء الدين مقسطا على جميع المال، وعلى ما في يد كل وارث إذا كان جميعهم حضورا أملياء.
وإذا وجد التقسيط كان الجاحد من الورثة كأنه انفرد بالظلم من إمساك حق هذا المقر له. وقد اعتمد بعض البغداديين من أصحابنا على القياس على الوصية فقال: اتفق على أن أحد الورثة إذا أقر بوصية من أبيه لرجل فإنه لا يؤخذ بجميعها مما في يديه، بل من ثلث ما في يديه، حتى كأن التركة حاضرة لم تقسم، فيكون الثلث مقسطا على جميعها. وسنتكلم نحن إن شاء الله تعالى على طروء موصى له على أحد الورثة وكيف تكون مقاسمته له في كتاب القسم.
وعلى هذا الاختلاف جرى الأمر بين ابن القاسم وأشهب في مسألة وارثين شهدا بأن أباهما أعتق عبدا له معينا، وهو مقدار ثلث التركة، فردت شهادتهما للتهمة في جر ولأنه، إن كان ممن يرغب في ولأنه، وجازت شهادة الأجنبيين
بالوصية بالثلث، فأخذ الثلث الموصى له بثنث المال، وصار العبد بالمقاسة إلى الوارثين.
فمذهب ابن القاسم أنه يعتق ثلثا العبد عليهما، وثلثه الباقي قد طرأ الغصب عليه فيه، وقد أخذ المشهود له بثلث المال بناء على أن الموجود من المال كأنه باق لم يقسم.
وذهب أشهب إلى أنه يعتق عليهما جميع العبد، بناء على أصله الذي قدمناه من وجوب أخذ الدين كله من يد المقر من الورثة.
وسنبسط الكلام على هذه المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى.
وهذا الذي ذكرناه من إقرار أحد الولدين على أبيه، والولد الآخر منكر، إنما يكون الحكم فيه ما ذكرناه إذا كان المقر غير مقبول الشهادة، لعدم العدالة، أو لكونه سفيها في ماله لكنه عدل، على أحد القولين في منع قبول شهادة السفيه وإن كان عدلا. وأما على القول بقبول شهادة السفيه إذا كان عدلا في غير ما فيه إتلاف ماله فإن المقر له يحلف مع شهادة الولد، ويستحق جميع الدين، لأن من قام له شاهد بمال على ميت حلف مع شهادته واستحق جميعه. وإذا كان الشاهد سفيها لكنه عدل، وقضي بأحد القولين في قبول شهادته، فإنه ها هنا إذا حلف المقر له مع شهادة المقر أخذ جميع دينه من الأخ الجاحد للدين، ويصير ذلك كالدين: إذا ثبت ببينة فإنه لا يختلف في أخذ الدين كله مما في يد أحد الورثة، سواء كان جاحد للدين أو مقرا به. فكذلك ها هنا إذا حلف مع شهادة الولد العدل السفيه استحق جميع الدين. ولكن لا يؤخذ ذلك من يد هذا الشاهد السفيه العدل؛ لأنه كالإتلاف لماله بإمضاء إقراره لما يؤدي إلى تلفه. واليمين ها هنا مع شهادة المقر تتضح فائدته (1) عندي على طريقة ابن القاسم في أنه لا يؤخذ من المقر إذا كان مردود الشهادة إلا مقدار ما ينوبه من الدين، وإذا كان