ولو كان من (2) الأباعد بنت لهذا المقر لجرى ذلك على الاختلاف الذي قدمناه من كون التهمة تتصور من جانب هروبه بماله من عصبته الأباعد، وترتفع من جهة ما يلحق ابنته من انتقاص فرضها.
وقد اختلف في أحد الأبوين إذا. أقر بدين لصديق ملاطف: هل يتهم لإيثار الصديق عليهما بماله، على حسب ما ذكرناه في كتاب الوصايا الأول من المدونة أو لا يتهم في ذلك، كما ذكره في الموازية، وهو الأشبه في مقتضى العادات.
وإذا رددنا إقراره لصديقه الملاطف لتصور التهمة التي بناها (3) فإنه يجري في ذلك مجرى اختلاف من وجه آخر وهو ارتفاع التهمة يكون ما أقر به للصديق الملاطف يقدر على أن يعدل عن الإقرار به ويجعله وصية له، فلا يكون لأحد رذه. فإذا تصورت التهمة من جانب وارتفعت عن هذا الجانب اللاحق وهو قدرة المقر على أن يجعل ذلك وصية لصديق فلا ترد. وهذا كما ذكرناه في المكاتب إذا أقر في مرضه أنه قبض كتابته واتهم في ذلك فإنه إذا كانت الكتابة تخرج من ثلثه نفذ إقراره، وعجل عتقه، لارتفاع التهمة في هذا الإقرار بالقبض، أن يجعله وصية فلا يرد.
ويتخرج أيضا على قول آخر: إن هذا الإقرار، وإن لم يحمل جميعه الثلث، فينفذ منه مقدار ما حمله الثلث. ويكون ذلك على التخريج الأول من رأس المال لأن الديون إنما تقضى من رأس المال. وهذا التخريج الثاني مما ذكره في المدونة في كتاب العتق في إقراره بتعيين من أعتق أن فضلة قيمته تكون في الثلث، فلا يخرج هذا إلا من الثلث.
وجميع ما صورناه من التهمة في إقرار بدين في المرض يتصور في إبراء المريض من ديون له أيضا وجميع أيضا (1) ما ذكرناه مما يوجب رده التهمة فإنه إذا ظهر ما يدل على صدق المقر له على الجملة دون التفصيل نفذ الإقرار، كما قال في الأخت المقر لها بدين فرد إقراره، قال: ألا يعلم أنها كانت تقتضيه منه في صحته.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:
إذا أقر أحد ولدي الميت على أبيه بألف درهم، ولم يترك الميت الألفي (2) درهم ولا وارث له سوى ولده المقر بهذا وولد آخر وهو منكر لهذا الإقرار، فعن مالك في هذا روايتان:
إحداهما أن هذا المقر لا يلزمه إلا إذا (3) نصف هذا الدين الذي أقر به، يدفع ذلك للمقر له مما ورثه عن أبيه، وقد ورث ألف درهم، وورث أخوه الألف الآخر. فماذا سقط الدين على الألفين ناب كل ألف منها خمس مائة درهم، والمقر إنما في يده نصف التركة وهو ألف درهم، فعليه منها نصف الدين وهو خمس مائة درهم، ويبقى في يده خمس مائة درهم يرثها، ويحيل
المقر له على أخيه فيستحلفه على الخمس مائة درهم التي بقيت من دينه إن تمادى على جحوده.
هذه رواية ابن القاسم عن مالك وبها أخذ ابن القاسم وإليه ذهب أبو حنيفة.
وروى أشهب عن مالك أن المقر له يأخذ جميع دينه من الألف التي هي جميع ما ورثه المقر. وبهذه الرواية أخذ أشهب. وإليه ذهب الشافعي.
ومشاهد (1) الخلاف اعتبار الموجود من هذه التركة الذي أخذه الولد المنكر للدين: هل يقدر ذلك كالجوائح التي تطرأ على بعض التركة، كغصب بعضها، أو ذهابها بأمر من الله سبحانه. فإن الدين ينحصر إلى ما بقي منها، فلا ميراث إلا ما فضل عن الباقي منها بعد الجوائح. فيقدر أن ما أخذ الولد المنكر للإقرار لما ظلم في أخذه، صار كذهاب بعض التركة بالغصب، فتعين قضاء الدين مما فضل عن الغصب، ولا يستحق أحد فيها ميراثا إلا بعد قضاء الدين كله.
ألا ترى أنه لو قامت بينة بالدين، ووجد الغريم الذي له الدين بعض التركة في يد بعض الورثة، وبقيتها قد أتلفه من أخذه من الورثة، وهو فقير، فإنه لا خلاف أن يؤخذ الدين كله من جميع الموجود في يد الوارث الحاضر، ويصير ما أخذه الوارث الآخر كأن الميت لم يتركه، فيتعين قضاء الدين من الموجود الذي اختص به الوارث الحاضر المليء. فكذلك يجري حكم الإقرار مجرى حكم إقامة البينة.