وقد قال بعض الأشياخ: إن قول ابن القاسم في المدونة في سكوت بعض
الغرماء عن المفلس الحي إشارة إلى أن الميت بخلاف ذلك، كما قال سحنون لتقييده كلامه بحياة المفلس.
وقد قال ابن القاسم: إن الغريم إذا شاهد الورثة يقتسمون المال ولم يطلب دينه ولا عذر له في سكوته على الطلب، فإن ذلك علم على أنه أسقط حقه في طلبهم. وهذا كله من التفرقة بين الحي والميت في حق بعض الغرماء أو التفرقة بين الميت إذا سكت، عند قسمة ماله، غريم، وقد قسم ماله وارث، أو غريم، وقد قاسم ماله غرماء، لا وجه له إلا الاستشهاد بمقتضى العادات في الدلالات على المقصود. فمتى اتضحت قرينة حال تدل أن القصد إسقاط الحق سقط ومتى كانت قرينة الحال فيها التباس وإشكال لم يسقط الحق بالاحتمال.
وقد يستظهر باليمين على الساكت فيما يدغيه من قصده.
هذا الحكم من (1) الساكت من الغرماء وبين من قبض منهم دينه. وأما إذا أوضح (2) التفليس وحكم به، ثم عامل الغريم قوما آخرين فإن المفلسين القابضين لدينهم وما نابهم في الحصاص منه لا طلب لهم فيما في يده مما اكتسبه في المعاملة الثانية الحادثة بعد التفليس، لأن ما في يديه الآن مال الغرماء الذين عاملوه بعد التفليس، فليس للغرماء الأولين أن يأخذوا حق غريمهم من حقوقهم السابقة التفليس.
وأما الساكتون عن التفليس فقد ذكرنا حكمهم مع الأولين الذين فلسوه.
وأما حكمهم مع الآخرين الذين عاملوه بعد التفليس، فإن في الموازية أن لهم مشاركة الآخرين إذا فلسوه. وكأنهم لما لم يفلسوه هم جملة غرمائه.
ولو كان الغريم طالبون (3) جماعة لم يقوموا بتفليس واختلفت تواريخ
معاملتهم له، واختلف به الحال بي استغناء وفقر، فإنه إذا قام عليه الغرماء تحاص جميعهم في ماله، من عامله وهو مثر ومن عامله وهو معدم.
فكذلك هؤلاء الساكتون الذين سبق دينهم التفليس مع الذين عاملوه بعد التفليس، لكون العلة في منع التفليس الدخول مع الآخرين كون ما في يديه بعد التفليس، معلوم أنه مال الآخرين الذين عاملوه بعد التفليس.
وهذه العلة تتصور في الساكتين عن تفليسه كما تصورت في القائمين بتفليسه.
وكأن مطرفا رأى أن الذين لم يفلسوه وسكتوا عن طلبه لم يسلموا كونه مفلسا. ولو قاموا كما قام أصحابهم لأظهروا له مالا خفيا فلا يثبت في حقهم حكم التفليس الدال على أن ما في يديه من المعاملة الثانية.
وقد وقع لابن القاسم في كتاب السرقة: إذا كانوا (1) أحد غرماء المفلس غائبا فقدم بعد الحكم بتفليسه ومعاملته لقوم آخرين، فإن هذا الغائب القادم لم يدخل مع الآخرين بدينه، على نحو ما حكيناه عن مطرف في سكوت بعض الغرماء الحاضرين عن تفليسه.
ولو قام جميع الغرماء بتفليسه وتحاصوا في ماله فأبقى بعضهم ما نابه في الحصاص في يد غريمه، ومكنه منه، بعد أن حيل بينه وبينه، فإن هذا كمعاملة ثانية يضرب بها مع الآخرين الذين عاملوه بعد التفليس ويكون الضرب بعدد ما أعادوه (2) عليه لأن ذلك كاستئناف معاملة ثانية. وقد وقع في كتاب ابن حبيب أن هذا الذي أبقى نصيبه في المحاصة في يد هذا الغريم يغرم بدينه كله، وقدر أن الزائد على مقدار ما أعادوه إليه مما بقي من دينه عليه كأنه لم يقم بتفليسه فيه ولا في ما نابه من الحصاص لكونه أبقى ما نابه في يد غريمه.
وقد قلنا: إن في الموازية تمكين الساكت من الغرماء على التفليس من دخوله مع الذين عاملوه بعد التفليس، على حسب ما تقدم بيانه.
ولو أن هذا الذي فلس وعامله قوم آخرون طرأ له مال في فائدة يعلم أنها ليست من مال الآخرين، كميراث ورثه أو أرش جناية أخذها، أو ربح حصله في المعاملة الثانية، لكانت المحاصة تجب في هذه الفائدة للغرماء الأولين
والآخرين إذا قام الأولون بتفليسه، لارتفاع العلة التي ذكرنا أنها هي المعاملة المانعة لدخول الأولين فيما عامله به الآخرون وهي العلم بما في يديه هو من مال الآخرين لا حق للأولين فيه. فإذا طرأ على الآخرين انتقاص في ديونهم ضربوا بما انتقص لهم في الفائدة الطارئة واشترك فيها الأولون والآخرون.