هذا حكم المرجع في هذا التعدي.
وأما حكم ضمان القابض له فإنه إذا قدم غريم لم يعلم به وقد قسم المال بين الغرماء الحاضرين، وجعلنا له طلمب الوارث الدافع بما بقي في يديه من مال الميت فإنه إن أكله ضمنه لهذا الطارئ، لأنه أكل مال غيره، عمدا أو خطأ، فيضمنه له. وإن ادعى تلفه، وهو مما يغاب عليه، لم يصدق في ذلك، لأنه أمسكه لمنفعة نفسه أو لاعتقاد تملكه، فلم يصدق في ضياعه، كما لا يصدق في ضمان العواري والبرهان، ولو قامت له بينة بضياعها من غير سبب له في ذلك فإن ابن القاسم أسقط عنه الضمان. ولم يسقطه عنه أشهب مرورا على أصله في العواري والبرهان أن الضمان فيها لا يسقط بإقامة البينة على الضياع.
واختار بعض أشياخي مذهب ابن القاسم رواه (1) مبنيا على أصول المذهب لأن كل مستحق عينا في يد غيره فإنما له أخذ العين من يد غيره فإن أنفقها غيره محمدا ضمنها، وإن أتلفها خطأ ففي ضمانه قولان: إذا وضع يده عليها بوجه جائز، كمن اشترى عبدا من سوق المسلمين فقتله عمدا، ثم استحق، فإن قاتله يضمنه. وإن قتله خطأ ففي غرامته القيمة لمستحق العبد قولان.
وإسناد هذه المسألة للأصل الذي قال، قد يقع إشكال من ناحية أن من غصب له عبد فاستحقه من يد مشتريه بوجه شبهة، فإنه إنما يستحق العين لا
أكثر. والوارث إذا مسك مالا فالغريم لم يستحق عينه، وإنما استحق مقداره، فلو قضاه الوارث دينه من مال آخر لم يكن له مقال. ففارق ذلك استحقاق العين لا غيرها.
هذا حكم ضمان الوارث لما بقي تحريره (1) من تركه الميت المفلس.
وأما ضمان الغريم القابض إلى (2) قبضه، فالمعروف من المذهب أنه يضمنه على أي حال كان تلفه، إذا قام عليه غريم طارئ طلبه في المحاصة، حتى ذكر ابن المواز أنه لو وقف لغريم غائب نصيبه من تركة الميت فضاع كان ضمانه منه. ولو طرأ غريم وقد ضاع مال الموقوف لغرم من وقف له المال لهذا الطارئ حصته التي تجب له في المحاصة بدينه حتى كأن هذا المال الموقوف قبضه من وقف له فيجب الرجوع عليه بما قبض.
وعارض بعض الحذاق من الأشياخ هذا وقال: إنما ينبغي أن يضمن الغريم الموقوف له المال ما وقف له، بمعنى أنه يبرأ المفلس من دينه الذي قبض منه ما أوقف له لا غير ذلك. وأما أن يكون يضمن ذلك في حق غيره فلا وجه له، كما نقول فيمن اشترى عبدا من سوق المسلمين فاستحقه من يده رجل فإنه يأخذه، ولو وجده مستحقه قد مات في يد المشتري لم يكن له أن يغرمه قيمته وإنما له تغريم الغاصب له، وأما مشتريه وإن كان ضامنا له فإنما معنى ضمانه له أنه لا يرجع بالثمن على الغاصب الذي قبضه منه. وإن كان الغيب قد كشف أنه أخذ منه ثمن ما لا يستحق أن يأخذ ثمنه فكذلك إنما يضمن هذا الغريم بما نابه في الحصاص، بمعنى أنه يسقط دينه به بمقدار ما قبض. وأما أن يضمنه لغيره فلا يجب ذلك كما لم يضمن المشتري المغصوب منه العبد قيمته، وإن كان ضمانه منه لما مات في يديه.
وإذا طرأ غريم على الغرماء فقد ذكرنا أنه يقضى له عليهم بالمحاصة على
حسب ما يقضى له لو كان حاضرا حين قسمه مال الغريم.
هذا إذا لم يبق في يد ورثة المفلس الميت شىء من التركة، بل نزع جميعا (1) فقضي ذلك للغرماء الحاضرين.
فأما إن بقي شيء من تركة المفلس بيد ورثته، فإنه يحسب ذلك من دين هذا الطارئ، حتى كأنه أخذه من جملة دينه، فإنما تكون له المحاصة لما فضل من ذلك وبمقدار ذلك يرجع على الغرماء الذين اقتسموا التركة. وهذا لأجل أن الغريم لو كان حيا وقضى غرماعه وبقي في يديه ما يقضى آخرين (فأبيح فيه) (2) فإنه لا يرجع الغرماء الذين لم يقبضوا من دينهم شيئا على الغرماء الذين قبضوا دينهم لكون غريمهم بقي في يديه ما يأخذه الأخ (3) فكذلك ورثته.
فلو مات رجل وترك ثلاث مائة دينار (لرجع) (4) فأخذا جميع دينهما من التركة، وبقي في يد الورثة مائة دينار، فإن من طرأ، وله دين على الميت جملته مائة دينار، لا يرجع على الغريمين القابضين للمائتين لكون غريمه قد ترك ما يأخذ هذا الطارئ في دينه منه بأسره.