وقال غيره لا يستأنى قسمة مال المفلس بين غرمائه كما يستأنى في تركة
الميت. (قد انقطعت وخربت بالضرر بالمبادرة بقسمتها على من حضر من الغرماء بعظم موقعه لجواز طريان غريم فلا يجد ما يعلى فيه دينه وإن عدى على الغرماء وهم تفرقوا شق ذلك عليه) (1).
وأما المفلس فإن هذه العلة موجودة أيضا في ماله إذا قسم بين غرمائه، فيجب فيه الاستيناء على أحد القولين، ولا يجب على القول الآخر، لأن الضرر في ذلك يتقاصر عن الضرر في قسمة تركة الميت بين غرمائه، فلم يلحق حكمه بحكم من مات مفلسا مع كون الغرماء استحقوا أخذ ديونهم معجلة، وتأخيرها إضرار بهم. فغلب في التفليس ضررهم، بخلاف حال الموت، لعظيم الضرر فيه إذا فرق المال بين من حضر.
فإذا تقرر هذا فقضى الورثة أو الوصي ديون الميت لمن حضر، ثم طرأ غريم آخر، فإن بادروا بالقضاء وقد أمروا بتأخيره والاستيناء فيه إذا كان الميت معروف ابالاستدانة كما قدمناه، فقد تعدوا في المال، وأعطوا من حضر من الغرماء حقوق غيرهم، فيكونون ضامنين لهذا التعدي، فلهذا الغريم الطالب أن يرجع على الغرماء القابضين للمال بما ينويه في الحصاص لكونهم قد أخذوا عين ما استحق، ومن بيده مال استحقه آخر عليه فللمستحق أن يطالب به من هو في يديه.
فإن وجد الغرماء القابضين لديونهم فقراء فللغريم الطارئ أن يطالب الدافع لهم هذا المال الوارث أو الوصي، لأجل تعديه في دفعه كما بيناه.
لكنه لو أراد طلب الوارث أو الوصي مع حضور الغرماء القابضين، وكونه يمكنه أخذه كما يمكن ذلك من الوارث والوصي، فإن بعض الأشياخ -يعني
أبا إسحاق- يشير إلى أنه بالخيار في طلب القابض لكونه في يديه حق الطارئ، أو طلب الدافع لكونه تعدى عليه بتسليم حقه لغيره وبعضهم يشير إلى أن المسألة على قولين في طلب الدفع. وفي المدونة كلام فيه إشكال حمله بعضهم على التخيير وحمله بعضهم أنه اختلاف. وقد اشتهر الخلاف في الغاصب إذا غصب شيئا فوهبه لأحد، ثم أتى المغصوب ذلك منه طالبا له، وقد فات في يد الموهوب له، هل تكون البداية بطلب الغاصب المتعدي في الدفع لهذا المال، أو طلب القابض المنتفع به، أو يكون بالاختيار في طلب من شاء منهما؟ لكن قد قيل إن الذاهبين إلى القول بالبداية بالغاصب إنما صاروا إليه لأنه إذا غرم لم يرجع له غرمه على الموهوب له لكونه سلطه على الإتلاف على ألا عوض عليه، كما قيل فيمن أثاب (1) في صدفته ظنا منه أن الكفارة تلزمه، فأكلها قابضها فإنه لا يرجع عليه الدافع إليه، لأنه هو الذي سلطه على إتلاف عين شبيه (2) على ألا عوض عليه غلطا منه على ماله. وفي التفليس إذا رجع الغريم الطارئ على الوارث أو الوصي كان للوارث أو الوصي أن يرجع بما غرم على الغريم القابض بما دفعه إليه لأنه لم يسلم ذلك على جهة الهبة، بل في معنى المعاوضة عما على أبيه الذي ورثه وإبراء لذمة أبيه. "فإذا غرم الغريم الطارئ رجع بذلك على من دفع إليه، فلا فائدة في تمكين الغريم الطارئ من طلبه وعدوله عن الغريم القابض من غير عذر ولا فائدة له، ولا للقابض في ذلك) (3) بخلاف مسألة الغاصب فإن في العدول عن تغريم القابض فائدة له في أنه لا يرجع عليه بما أتلفه مما وهب له. وقد قررنا أن الطارئ إذا استغرم الوارث أو الوصي الدافعين لهذا المال فإن لهما أن يرجعا على من دفعا إليه لما ذكرناه. فقد يقال في هذه إنه قد يتخرج فيه خلاف من مسألة الوكيل إذا تعدى، والسلعة التي وكل على بيعها قائمة، إنه يضمن ما تعدى فيه، ويكون تعديه
التزاما لغرمائه ما رسم، كوكيل أمر أن يبيع سلعته بعشرة فباعها بثمانية فإنه يغرم العشرة إذ حال بين الموكل وبين أخذ سلعته بتعديه فيعد ذلك منه التزاما لما سماه من الثمن. لكن الدافع للغرماء إنما سلطهم على عين مال، فإذا أتى من يستحقه لم تلزمه غرامة، ولا يعد ملتزما لذلك، مع احتمال فعله للالتزام، أو قصد إلى مجرد التعدي خاصة.