تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا الحكم في الغرماء أقارب كانوا أو أجانب إذا تفالسوا.

وأما إن لم يدع الغريم الفلس وسأل الإمهال حتى يجتمع ما يقضي منه الدين، فإن سحنونا ذهب إلى أنه يمهل اليوم ونحوه، ويؤخذ عليه حميل بمال فإن لم يأت بحميل سجن.

وفي كتاب ابن حبيب أنه يؤخذ بقدر الاجتهاد في مقدار كثرة المال وقلته.

وهكذا في المبسوط من غير تحديد لمقدار التأخير. ولم يذكر في الكتابين أخذ حميل عليه كما قال سحنون.

ورأى بعض أشياخي أن المذهب على قولين في أخذ الحميل وفي

الاستحلاف على صحة عذره أنه يتعذر عليه القضاء في الحال.

والخلاف في أخذ الحميل ينبني على الالتفات إلى ما دخل عليه الغرماء على غريمهم في الدين المؤقت بأجل محدود: هل التحديد والتوقيت دخل المتعاملان على أنه لا يتعدى، فيكون تعديه لسبب حدث بخلاف ما دخلا عليه يوجب الحميل، أو يقال إن التوقيت كالمتضمن لزيادته عليه معتادة في حكم الاقتضاء، فيصير كأنها مضافة إلى الأجل فلا يلزم الحميل كما لو طلب من له الدين حميلا به قبل حلول الأجل. واختلف اختيار الأشياخ: فبعض أشياخي يرى أن لا يؤخذ الحميل، وبعض أشياخي يرى التمكين من طلب الحميل.

والسبب في الخلاف ما أشرنا إليه.

وإذا طلب المفلس أن يثبت فقره ليسلم من الحبس، فهل ينجيه من الحبس أخذ حميل بوجهه أم لا؟

فمذهب ابن القاسم أنه إذا أتى بحميل لا يحبس.

ومذهب سحنون أنه لا ينجيه إتيان حميل بوجه من الحبس.

وسبب هذا الاختلاف أن حميل الوجه إذا أحضر من تحمل بوجهه، وأثبت الغريم المحمل بوجهه فقره، وحلف أنه ما أخفى مالا ولا يجد ما يقضي، فإن الحمالة تسقط، ولكن بشرطين: إحضار الغريم، وإثبات فقره. وفقره لا يثبت بمجرد الشهادة بكونه فقيرا حتى يحلف، كما قدمنا ذلك، وذكر مخالفة أبي حنيفة في يمينه. فإذا تحمل رجل بوجه الغريم المفلس فإنه يمكن أن يهرب الغريم فإن أثبت الحميل فقر الغريم في غيبته بقي استقلال (1) القضاء بفقره يمينه على أنه ما أخفى مالا، وذلك مما لم يمكن أن يحلفه الحميل عنه.

وكان ابن القاسم يرى أن هذه يمين استظهار وحبسه قد يمنعه من السعي في إثبات فقره فيلحقه الضرر بالحبس، ولا يوقع في هذا الضرر بعد يمين

استظهار. فلو التزم الحميل أنه إن تعذرت هذه اليمين التي يطلب بها الغريم إذا حضر لقام (1) بالمال، ارتفع هذا الخلاف بين ابن القاسم وسحنون. وكان الخليفتان رضي الله عنهما يضيفان إلى يمين المفلس على أنه ما عنده ما يقضى منه، وأنه إن وجد مالا في المستقبل ليقضى منه. فأضافا رضي الله عنهما إلى اليمين على صفة الحال اليمين على ما يكون في الاستقبال. وهذا تأكيد في الاحتياط والاستظهار لئلا يقوم الغريم بعد مدة يمكن أن يكتسب الغريم فيها مالا فيطلب صاحب الدين استخلافه أنه لم يكتسب في هذه المدة مالا فيتكرر ذلك فتكون تقدمة اليمين عليه كالحاسم لمضرة التكرير.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال:

قد تقرر في أصول الشرع بناء الأحكام على الاحتياط وصيانة الأموال على أربابها. فإذا وجب تفرقة مال مديان على غرمائه فلا تخلو من أن يكون غير معروف بالمداينة والإكثار منها حتى يغلمب على الظن، ويقتضي ظاهر الحال ألا طالب لماله سوى (من حاول القاضي أو يقضيه دينه) (2)، أو يكون مكثرا للاستدانة حتى لا يغلب على الظن أنه قد أحاط بجميع غرمائه في الحال، وإن كان كذلك، وإنما يفرق القاضي تركته على الغرماء وقد مات، فإنه يجب الاستيناء في قضاء من حضره من الغرماء والبحث عمن سواهم، حتى يغلب على الظن أنه قد أحاط بجميعهم.

وأما إن كان مفلسا فانه اختلف: هل يستأني بقضاء من حضر من الغرماء كما يستأنى بتركته أم لا؟ ففي المدونة قولان في هذا المعنى: فذكر ابن وهب عن مالك أن الغائب إذا مات استؤني بقسمة تركته على غرمائه. وكذلك إذا فلس.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٤٥