ولو كانت له أمة واضطر إلى أن تمكن من خدمته في مرضه ويخشى عليه إن لم يمكن من ذلك مكن منه أيضا على صفة لا يحلق منها الغرماء ضرر أشد من ضرره.
وجميع ما ذكرناه في حبس المفلس يعلم (3) كل مفلس إلا مفلسا له حرمة
على طالب الدين منه كالأبوين فإنهما لا يحبسان في دين الولد عليهما لأجل حرمتهما عليه ووجوب برهما لديه، وتحريم الباري سبحانه عقوقهما على الولد وقد قال تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ (1) وهذا غاية في المبالغة في النهي عن فعل ما يؤذيهما ويكون عقوقا لهما. وحبسهما لا يخفى عن العقلاء أنه أبلغ في أذاهما من أن يقال لهما: أف. ولكن لا يظلم أيضا الولد لهما بل يتكلف القاضي من التشديد عليهما ما يؤديه الاجتهاد إليه في تخليص دين الولد عليهما، وإيصال ذلك إليه. لكن لو كان الأب امتنع من الإنفاق الواجب عليه لابنه الصغير ولم يمكن القاضي أخذ ذلك منه إلا بحبسه فإنه يحبسه في ذلك.
وعلل ابن عبد الحكم هذا بأن ذلك إن لم يفعل أدى ذلك إلى ضرر الولد وهلاكه.
وعندي أنه يمكن أيضا أن يضاف إلى ذلك علة أخرى وهي أن الولد الصغير غير مكلف، وإذا كان القاضي هو الذي حبس والد الصغير فكأن الصغير لم يعق أباه ولا هو الذي حبسه وأنه حبسه من لا حرمة بينه وبينه، وهو القاضي، في حق الله سبحانه الذي طلب به القضاة في صيانة حياة من لا يعرف صيانتها وصيانة ماله.
ولو كان على هذا التعليل ابنة بلغت بكرا في حجر أبيها فهي مخاطبة بأن لا تعق أباها، وطلبت هي حبسه في الإنفاق عليها عدنا إلى التعليل الأول وهو: ما يلحق الولد من الضرر وخوف الهلاك لسبب عدم الإنفاق.
ولو كان في يد الأب مال لولده وعلى الولد دين يحبس الأب، ها هنا حتى يسلم ما في يديه، إن لم يقدر على تخليص ذلك منه بغير الحبس. وكان هذا لحق رجل آخر وهو الذي له الدين على الولد وهو أجنبي من الأب،
(وهذا أجنبي من الأب) (1) وهذا مثل ما اتفق أن السيد لا يحبس في دين لعبده عليه لأن له انتزاع ماله، إلا أن يكون على العبد دين فحبس فيه سيده لحق غرماء العبد.
وأما الجد والجدة فإنهما يحبسان في دين ولد ولدهما لنقص حرمتهما عن حرمة الآباء والأمهات.
لي في إطلاق هذا القول الذي وقع في المذهب نظر. وقد يختلف حال الأجداد وتأكد حرمتها على أبناء البنين ويختلف مقدار المال الذي يطالب به ولد الولد.
وقد اختلف في القصاص من الأجداد على ما سيرد ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما إذا طلب الولد تحليف أحد أبويه على مال له عنده جحده إياه، فإن المذهب على قولين:
أحدهما وهو المذكور في المدونة: لا يمكن الولد من تحليف أبيه.
وفي الموازية أنه لا يمنع من ذلك، ولكن يكون ذلك جرحة عليه يوجب رد شهادته وكونه عاقا.
ولابن الماجشون في ثمانية أبي زيد أنه لا يمنع من ذلك، ولأن (2) فعله لم يكن عاقا. فوجه المنع من تمكين الولد من تحليف أبيه ما أشرنا إليه في تعليل منعه من حبس أبيه، لأن التحليف أيضا في امتهان الأب وهتك لحرمته فيمنع الولد منه.
ووجه القول بتمكينه من ذلك أن التحليف (لا يبلغ في هتك الحرمة) (3)،
وللولد حق من جهة طلب ماله، فلا يسقط حق الولد لحق الأب لاحترامه. وهذا التعليل يطابق ما ذكره في الثمانية من تمكينة من تحليفه ولا يكون عاقا بذلك.
وأما الذي في الموازية فإنه يسبق إلى النفس تعارضه لأن العقوق منكر، والمنكرات على القضاة تغييرها والمنع منها.
لكنه أفتى القاضي بما يجب عليه من التمكين، ثم خاطب الولد بالكف عن ذلك لما فيه من العقوق. فكان فرض القاضي التمكين وفرض الولد أن لا يفعل ما مكن منه. فهو خطاب لشخصين.
والذي يختاره أشياخي في هذا الاعتبار حال الأب، وارتفاع قدره، ومقدار ما يحط من نزلته مبادرته إلى اليمين، ومقدار أيضا ما يحط ذلك من مقدار الولد. ثم الالتفات إلى مقدار الدين: فإن كان الدين حقيرا والولد موسرا، وهو رفيع القدر في الناس، ويحط ذلك أيضا من مقدار الولد، فإنه لا يمكن من ذلك. فالعكس في عكس هذه الأحوال فكأن هذا مبني عند أشياخي على تغليب أحد الضررين لما تقاوم الحقان: حق الأب في أن لا يعق، وحق الولد في أن لا يؤخذ منه ماله.