تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي حديث آخر: "إذا مات أخذ من حسناته وإن كان ينوي قضاءه فالله قادر أن يرضي عنه غريمه، وروي: أنه من ادان في غزو أو حج أو كفن ميت لا كفن له أو في صلة رحم أو نفقة على العيال أو في نكاح لخوف العنت فعلى الله سبحانه، وعلى ولاة المسلمين أن يقضوا عنه".

وفي حديث آخر: "قضى الله عنه يوم القيامة وهذا كله تشديد في الديون وتحذير من ترك قضائه وخاطب أيضا طالبها من جهة أخرى بالرفق والمسامحة، فقال: "أحب الله عبدا باع سمحا، إذا قضى سمحا، إذا اقتضى سمحا" وقال: "ليأخذ حقه في عفاف واف" (1) أو غير ذلك وروي أنه عليه السلام قال: "من سره أن يفرج الله كربه ويعطيه سؤله" وفي حديث آخر أن يظله الله في ظله فلينظر معسرا أو يخفف عنه" إلى غير ذلك مما أضربنا عن ذكره مما تعلق بهذا الحديث.

والجواب عن السؤال الثالث:

قد قررنا أن القاضي إذا رفع إليه من عليه دين كان عليه أن يمكن غرماءه من استيفاء حقوقهم، فإن تنصل منها الغريم وقضاها فلا مقال (له عليه الدين) (2).

وإن امتنع من ذلك باع عليه ما ذكرناه، وكشف عنه، فإذا ثبت عسره أطلقه، ومنع الغرماء من مطالبته، حتى يجد ما يقضي منه دينه، وليس لهم بعد ذلك أن يلازموه عند مالك والشافعي.

وقال أبو حنيفة: بل لهم ملازمته واتباعه والتصرف معه حيث يتصرف، ويدورون معه حيث دار، ورأى أن ثبوت إعساره إنما يستوفي عنه مطالبتهم، وأما كل ما يؤدي إلى عشورهم (3) على مال يأخذون منهم (4) حقوقهم فلا يمنعون منه. وهم إذا منعوا ملازمتها (5) أمكن أن يكسب مكسبا يخفى عنهم، فصار المنع من ملازمته يؤدي إلى إبطال حقوقهم.

ويحتج أيضا برواية زياد عن أبيه حبيب أنه قال: أتيت بغريم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: "الزمه" ومر بي بعد ذلك وأنا معه فقال لي "ما فعلت يا أخا تميم مع أسيرك" (1) وهذا أمر بملازمة الغريم.

وأجيب عن هذا بأنه لما وافقنا على أنه لا تجب مطالبته فكذلك لا تجب ملازمته، ألا ترى أن الدين إذا كان مؤجلا فليس للغرماء أن يلازموا الغريم وإن قرب الأجل لما كانوا لا يستحقون المطالبة، فلهذا لم يستحق (2) الملازمة وأما حديث حبيب، فهي قضية في عين لم، يذكر سببها، ويمكن أن يكون أراد الملازمة حتى يثبت دينه عليه، أو حتى يخاصمه بين يديه. وإذا احتمل ذلك لم يكن لأبي حنيفة حجة في هذا الحديث مع احتماله.

ولنا عليه ما روي: "أن رجلا أصيب في ثمار ابتاعها، على عهد النبي عليه السلام، فأكثر دينه فقال عليه السلام: "تصدقوا عليه" فلم يبلغ وفاء دينه فقال - صلى الله عليه وسلم -: "حذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك" (3).

وقد روي "أن معاذا كثر دينه فلم يزد النبي عليه السلام غرماءه على أن خلع لهم ماله" (4).

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:

قد قدمنا القول فيما يباع على الغريم إذا حكم بفلسه. وكان من حق هذه المسألة أن تذكر هناك، لكن توخينا موافقة الترتيب في المدونة.

فعند مالك والشافعي وأبي حنيفة أن المفلس لا يؤاجر في الدين.

وذهب بن عبد الله قاضي الكوفة وعبيد الله بن الحسين العنبري وأحمد وإسحاق إلى أنه يؤاجر في الدين إذا كان يكتسب ما يفضل عن نفقته.

ونحن نقول: إن الله سبحانه قال: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ (1) والمفلس وإن كان قادرا على الاكتساب بخدمته فهو ذو عسرة، والله سبحانه حكم فيه بأن يؤخر إلى نظرة وجبره على أن يؤاجر نفسه ليس هو التأخير إلى نظرة.

وذهب المخالفون في ذلك إلى التعلق بما روي أنه عليه السلام "باع سراق (2) في دين عليه" (3)، وروي أنه "باع حرا في دينه" (4)، وهذا الحديث لا بد للمخالف أن يضمر فيه إضمارا إذا وقع الاتفاق على أن الحر لا تباع رقبته في الدين.

وإذا ثبت الافتقار إلى إضمار فأضمروا هم في قوله "باع حرا في دينه" أنه أراد: باع منافعه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٤٠