تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولنا نحن أن نضمر أنه أراد به: باع ماله. وأيضا فإنا نقول: يمكن أن يكون رضي الحر بأن يؤاجر في الدين. ونحن لا نمنع من ذلك إذا رضي بها الحر، وإنما نخالف من ذكرنا مذهبه في أنه لا يجبر على ذلك إذا امتنع.

وأما قوله "باع سرقا في دين" فيحتمل تأويلات ثلاثة، وهو: أن يكون هذا الرجل عبدا، ونحن نسلم بيع العبد في الدين.

لكن لهم أن يقولوا: أما تأويلك أن يكون المراد أنه آجره برضاه فتعسف لأجل أنه إذا كان رضي ذلك لم يحتج إلى أن يؤاجره النبي عليه السلام.

قلنا: يمكن أيضا أن يكون تولى النبي عليه السلام ذلك ليقسم إجارته على غرمائه، إذ المحاصة بين الغرماء يفتقر فيها إلى التحاكم. وقد ذكر في حديث "سرق" تأويل آخر: أنه كان في أول الإسلام، وكان الحر يباع في الدين حينئذ.

وذكر بعض العلماء أن زيد بن أسل قال: "لقيت رجلا بالاسكندرية سميا بهذه التسمية، فسألته عنها، فقال: إني قدمت المدينة وذكرت لهم أن مالي سيلحقني، فعاملوني، فلم يصل إليهم مال، فدفعوني إلى النبي عليه السلام فقال: "أنت سرق" وباعني بأربعة أبعرة، فاشتراني رجل أراد عتقا، فسأله الغرماء عن سبب شرائه لي فأخبرهم أنه يريد عتقي، فقالوا: لست بأرغب منا في الخير فأعتقوني أجمعون" (1). هذا معنى هذه الحكاية المروية. وقد انعقد الإجماع على أن الحر لا يباع في الدين فإن ثبت ما ذكر في هذا الخبر فقد كان ثم نسخ.

وكان بعض أشياخي يحمل ما ذكرناه عن المذهب في هذا على أن ذلك في التجار الذين يعاملون على أموالهم وذممهم. وأما إن كان صانعا صعلوكا يعلم أنه لا يكتسب إلا من عمل يده فإنه إنما يعامل الناس عليه. فإذا استدان دينا وفضل له من عمل يده ما يجب أن يصرف مثله (بمثله من المفلسين) (2) فإنه يجبر على التكسب من عمل يده، وإذا امتنع من ذلك استأجره القاضي ويصير عمل يديه ها هنا كمال التاجر الذي يعامل عليه. هذا إذا عومل بدين وأما لو استؤجر على شيء بعينه، مثل حياكة ثوب. يحوكه بنفسه، فإنه يجبر على عمل ذلك وإن أدى إلى أن يقتات من تكرم الناس. وتصير هذه المنافع كانه باع سلعة معينة فعليه تلسيمها وإن أضر ذلك به، ما. لم يخش عليه منه تلف النفس لعذر

القوت ولو تكفف الناس.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:

إذا رفع الغريم للقاضي، وطلبه بقضاء ما عليه من ديون ثبتت عنده عليه، فادعى العجز عنها، فإنه يعتبر في ذلك وجهان:

أحدهما سبب الدين. والثاني: حال الرجل الذي عرف بها.

وأما اعتبار سبب الدين، فإنه إن كان الدين عن معاوضة مالية، كمن اشترى من رجل متاعا أو ما في معناه من أنواع ما يتجر به، فلما طلب بالثمن وقد قبض المثمون وزعم أنه عاجز عن ذلك فإنه لا يصدق في ذلك بالاتفاق بمجرد قوله، حتى يظهر ما يدل على صدقه. وذلك أن الغنى مما يعلم قطعا، والفقر مما لا يعلمه إلا الله سبحانه، ومن يدعيه في نفسه. وأما سائر الناس - فتجوز عقولهم أن يكون عند الرجل مال أخفاه، لكن ربما كانت قرائن أحوال تبلغ إلى العلم ولكنها مما لا يمكن تنويعها وتقديرها، وهي أيضا مما يندر ويشذ. واستصحاب الأصول هو مقتضى الشرع وقد علم أن هذا أخذ المثمونات فإذا ادعى الفقر قيل له: فأين المثمونات؟ فأظهرها لياخذها أصحابها أو يأخذون أثمانها. وقد صار ها هنا كالمعلوم الكذب في ظاهر المظنون، فلهذا قلنا لا يقبل دعواه الفقر إلا أن يثبت ما يدل على صدقه من جوائح طرأت على ما في يده فعلمت بنظر فيها إذا ثبتت.

والنوع الثاني من أسباب الاستدانة أن يكون ذلك عن معاوضة ولكنها ليست بمالية، كمن وجب عليه صداق امرأة، فالصداق ثمن لمثمون ولكن المثمون مما لا يباع ولا يشترى.

ويلحق بذلك نوع ثالث وهو أن يكون الدين عن غير عوض لا مالي ولا غير مالي كنفقة الأبوين والأولاد، وكمن وجب عليه تقويم شقص في عبد عتق نصيبه منه، فهذا قد يقع فيه إشكال، بخلاف ما كان عن معاوضة. فوقع في المبسوط لمالك رضي الله عنه ما يشير إلى أنه يصدق في دعوى الفقر لأنه قال:

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٤١