تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي كتاب ابن حبيب أنه يرجع من استحقت الدرا من يده على المفلس، فإن لم يجد له مالا رجع على الغرماء.

وأما على رواية أشهب فإنه إنما يرجع على المفلس لكون الضمان منه حتى يصل الغرماء إلى حقوقهم، وهم ها هنا لم يصلوا إليها.

وقد اختلف قول الشافعي في هذا الفعنى فقال، فيما رواه المزني عنه: إن المشتري الدار يرجع على المفلس التي بيعت عليه الدار بالثمن الذي دفع، ويقدم على غيره من الغرماء، روى عنه حرملة والربيع أنه يكون أسوة الغرماء.

وهكذا قال أشهب، من أصحابنا، أنه يكون أسوة الغرماء، خلاف ما ذكرناه عن ابن الماجشون ولكن ابن المواز أشار إلى طريق يرجع بها على الغرماء، وهو كونه يأخذ ذلك من الغريم (قضاء عنهم مما بقي لهم على الغرماء من ديونهم) (1).

ولكن قول الشافعي: إنه يقدم عليهم، نحا به طريقه أخرى، وذلك أن من يتولى بيع مال المفلس بإجارة يقدم في أخذها على الغرماء، لكون ذلك مصلحة لهم، وبسعي هذا الأجير يتوصلون إلى ديونهم وكذلك ها هنا من المصلحة لهم أن يقدم مشتري هذه الدار عليهم، حتى يشق من يشتري شيئا من مال المفلس على يد القاضي أنه لا يخسر ويقدم على الغرماء. وإذا لم نقل بتقديمه، وجعلناه يحاص الغرماء إذا استحق ما في يده، وقف الناس على (1) شراء ما يبيعه القاضي على المفلس.

وأما القول الآخر الذي ذهب إليه أشهب، وهو أحد قولي الشافعي، من كونه أسوة مع كونه دينا كالطارئ بعد الحجر، فإنما كان ذلك كذلك لكون هذا الدين يثبت في ذمة المفلس بغير اختياره، ولا دخل على أن يؤخر حقه في الرجوع على صاحب الدار عن حقوق الغرماء الذين سبقوه. بخلاف ما لو عامله رجل بعد الحجر عليه، فإنه لا يحاص الغرماء في المال الموقف ليباع لهم، لأنه عامله باختياره على أن يكون الثمن فيما يكتسبه من مال غير ما حجر عليه فيه.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ (2)، فهذا يعم الدين كله، سواء كان من قرض أو بيع، وقد استدان النبي عليه السلام ورهن درعه، ولكنه مع هذا شدد في وجوب القضاء، وخاطب الطائفتين جميعا:. من عليه الدين ومن له الدين وذكر ما يدل على منع المطل به مع الغنى، وبالغ في التحضيض على القضاء، وذلك أنه كان لا يصلي على من مات وعليه دين، وما ذلك إلا لعلمه - صلى الله عليه وسلم - بعظيم موقع صلاته على الميت، وعظيم الانتفاع بها في الآخرة، وشدة التأسف على ترك صلاته على من لم يصل عليه وهذا من أعظم الدواعي لهم إلى أداء الديون التي عليهم. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:

"إن صاحبكم محبوس دون الجنة بدين عليه" (1) في رجل استشهد.

لكن أصبغ حمل الأحاديث الواردة في التشديد في الدين على أنها منسوخة، وأنها كانت قبل أن يفرض الله سبحانه الزكاة، ويأمران يقضي بها عن الغارمين، فصار بعد ذلك الإثم على السلطان إن لم يقض عن الميت دينه دون أن يكون في ذلك إثم على من مات معسرا، إلا من ادان في سرف أو فساد. وذكر نحو ذلك عن ابن شهاب، وأكد ذلك بقوله عليه السلام: "من ترك مالا لورثته" (2) وفي رواية: "من ترك الكل للعيال التقيد ومن ترك دينا فعلينا دينه" فقال رجل: يا رسول الله فمن لنا بعدك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: يأخذ الولاة بكم بمثل ما يأخذكم به لغرمائكم يوم القيامة" (3)، ثم صار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك يصلي على من مات وعليه دين.

وروي: أن معاذا لما خلعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ماله لغرمائه، وبقي لهم فقالوا: يا رسول الله، كيف بالتباعة؟ فقال عليه السلام: "لا تباعة في الدنيا ولا في الآخرة" (4) يريد بالتباعة الإثم.

وروي: "أن من ادان دينا ينوي قضاءه أداه الله عنه وإذا لم ينو قضاءه أتلف الله".

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٣٩