وروى عنه ابن القاسم أن ما كان من العين دنانير أو دراهم وجدت بعينها فيما وقف عليه، أو صارت ثمنا لما بيع عليه، فإن ضمان ذلك من الغرماء، وما كان عرضا أو غيره سوى العين فضمانه من المفلس.
هذه الثلاث روايات مشهورات عن مالك. وذكر عن المغيرة قولا رابعا: إن ما كان من الدنانير يختص بضمانه من الغرماء من كان دينه دنانير، وما كان من الدراهم اختص بضمانه من له الدراهم. وذكره ابن الجلاب عن عبد الملك.
والمعروف الثابت عندنا عن عبد الملك ما قدمنا حكايته عنه، كما ذكرنا عن المغيرة أيضا هذا المذهب وقد ذكر عنه وعن ابن وهب ومطرف أنهم يقولون بما روان ابن القاسم.
وكذلك اختلف النقل عن أصبغ هل يقول بما رواه ابن القاسم أو بما رواه
ابن الماجشون؟
وجملة الأمر أنه قد تقرر أن الديون في ذمة الغريم، وأن عليه توفيتها بكل ما يكال ويوزن ويصيرها معينة لمستحقها ممكنا منها.
وهذا يقتضي تصحيح ما رواه أشهب.
ولكن هذا الوقف لهذا المال لا منفعة فيه للغريم وقد حيل بينه وبينه ومنع منه لأجل الغرماء وتحصيل منفعتهم به، فيجب أن يكون الضمان ممن له
المنفعة. وهذا يقتضي تقوية ما رواه ابن الماجشون. وكان ابن القاسم رأى أن العين مهيأ لتناول الغرماء له، لم يبق فيه من حقهم إلا قسمته بينهم، وتمييز حق من حق، والقسمة ليست ببيع على أحد الطريقتين، فلهذا ضمنوا العين، بخلاف العروض فإنها تفتقر إلى أن تباع وتصير أثمانا فيقسم بينهما (1) الثمن.
فكان ضمانها من المفلس لكون العروض لم يستحقوا أعيانها.
فإن قيل: فمن كانت ديونه عروضا إنما يستحق العروض؟ قيل: إنما يستحق أن يضرب له بقيمة العروض، وقيمتها من العين، ثم يشترى له بما وقع له في المحاصة مثل عروضه التي هي له في ذمة الغريم، فقد صار حقه في الدنانير والدراهم دون العروض، فشارك غيره من الغرماء في ضمان العين. وكأن المغيرة سلك الطريقة التي أشرنا إليها إن ثبت نقلها عنه، ورأى أن من له الدنانير يختص بضمان الدنانير دون من له الدراهم فإنه يختص بضمان الدراهم، لأن كل واحد منهما لا يستحق خلاف العين التي له في الذمة إلا بأن تباع له بالجنس الآخر إن كان دنانير بيعت بالدراهم وإن كانت دراهم بيعت بالدنانير. فإذا افتقر إلى المعاوضة أشبه العروض التي تفتقر إلى البيع. ولهذا قال، فيما حكيناه عنه: وأما العروض فمن المفلس. وكان طرد هذا التعليل يوجب أن يكون من له طعام ووجد من مالي المفلس مثله فإنه يكون ضمانه منه.
وقد حكى ابن المواز أن ابن القاسم فلو (2) قيل له: فلو أخذ المفلس من العين الموقوف ما اشترى به سلعة فربح فيها؟ فقال: يكون الربح له يقضي منه دينه، فقيل له: كيف يكون له ربح ما ضمانه من غيره؟ فسكت.
وعندي أن له أن يقول: فإن المال إذا حيل بينه وبينه فتعدى على الدنانير فتجر فيها فإنها باقية في ذمته بالتعدي، وإن كانت برئت ذمته منها لو لم يتعد.
ومن تعدى على دنانير أو دراهم فتجر فيها فالربح له لأجل تعديه. وهذا يدفع
المناقضة التي نوقض بها دفعا ظاهرا. ولعله إنما سكت استثقالا" للمعارضة التي
هي كالمناقضة، والله أعلم.
وإذا تقرر الخلاف ومنشؤه من جهة النظر، فإنه لو بيعت دار على مفلس بمائة دينار ليقضي ثمنها في دين عليه، وهو مائة دينار، فضاع الثمن من يد أمين القاضي، فإن ضمانه، فيما حكاه ابن المواز عن ابن الماجشون وأصيغ، من الغرماء، وعليهم يرجع مشتري الدار إذا استحقت من يديه، ويقدر كأنهم قبضوا الثمن من قبل ضياعه وضاع وهو في أيديهم، فيكون للمشتري الرجوع بثمن ما استحق عليهم. ولو وجدهم فقراء والمفلس قد صار في يديه مال لكان أحق به من الغرماء لكونه إنما يأخذ ذلك من يد المفلس عنهم إذا بقي من ديونهم على المفلس ما يأخذ هذا الثمن الذي دفع منها، ولا يكون أسوة في هذا بل يقدم عليهم لكونه إنما يأخذ ذلك عنهم. فهكذا حكى ابن المواز عن ابن الماجشون.