تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمذهب الثاني قدر فيه أن الكراء إنما (4) كان مضمونا فإنه لا يتعين على حال بدليل أن الدابة القياسلمت إليه لو ماتت في خلال الطريق لكان على ربها خلفها، فأشعر ذلك بانها لا تتعين بالتسليم. والدابة المعينة إذا اكتريت وهلكت في الطريق فإن الكراء ينفسخ وليس على ربها خلفها.

وأما لو كان الكراء في أرض لزرع، فزرعها المكتري ثم فلس، فإن مذهب مالك وأصحابه أن صاحب الأرض أحق بذلك في الفلس لا في الموت.

وفي المذهب قول آخر: أن صاحب الأرض أحق في الفلس والموت.

وذهب الشافعي إلى أنه لا يكون صاحب الأرض أحق لا في الفلس ولا في الموت. ورأى أن الحديث الوارد يكون بائع السلعة أحق، قد اشترط فيه: إذا وجدها بعينها، وهذا إنما باع منافع وقد فاتت وليست موجودة، فلا يكون أحق فات (1) لاستحالة وجود عين يشار إليها بأنه أحق بها.

وكذلك عنده لو اشترى ماء فسقى به الزرع، فإن صاحب الماء لا يكون أحق بالزرع. وكأن مالكا وأصحابه قدروا أن صاحب الأرض لما أكراها، ومعلوم أن ذلك الزرع الذي نبته فيها عنها (2) يكون وكأنه بعض أجزائها صار صاحب الأرض وكأنه بائع الطعام، وقد وجد طعامه بعينه، فيكون أحق به في الفلس وأسوة في الموت كمن باع سلعة بعينها.

ومن ذهب من أصحابنا إلى أنه يكون أحق في الموت أيضا كما كان أحق في الفلس قدر أن الزرع لما يكون من الأرض وصارت الأرض كالحائزة له فحوزها له كحوز صاحبها، فكأن بائع هذا الطعام باعه ولم يخرج من يده، فيكون أحق به في الموت والفلس كما لو باع سلعة معينة ففلس مشتريها وهي في يد بائعها.

وأشار الشافعي إلى الرد على ما ذهب إليه مالك بأن من اشترى طعاما فعلفه دابته فإن بائع العلف لا يكون له حق في الدابة، وإن كان بعض أجزاء الدابة تولد عن العلف. وأشار أيضا إلى أنه لا يوقف على حقيقة ما كان عن الأرض وعن البذر ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الله سبحانه، فلما استحال العلم هنا بحقيقة ذلك لم يمكن أن يعلق الحكم بما لم نعلم حقيقته.

ولنا نحن أن نجيب عن هذا بأنه وإن لم نعلم حقيقة ذلك فإن التغليب في مثل هذا مما جرى في الشرع أمثاله، فنغلب ها هنا حكم الأرض لأن ما نبت

فيها الغالب أنه مضاف أكثره إليها وأقله إلى الزرع المحصود لرب الأرض تغليبا لكون المتولد عن بذر الغاصب هو الأقل والمتولد عن أجزاء الأرض هو الأكثر.

فإنما يبقى النظر في صحة هذا التغليب.

وكذلك مذهبنا أن الأجير في خدمة الزرع أحق به في الفلس دون الموت.

وعلى القول الآخر هو أحق به في الفلس والموت.

والتعليل في ذلك كالتعليل الذي قدمناه في كون صاحب الأرض أحق بالزرع في الفلس خاصة، وفي الموت على القولين.

وكذلك لو استدان الزارع دينا أحيى به زرعه، فإن صاحب الدين يجري مجرى صاحب الأرض ومجرى الأجير في خدمة الزرع.

ولو اجتمع أجراء ولكن استؤجر واحد وانصرف ثم استؤجر آخر لكان الآخر أحق بالزرع من الأجير الذي عمل قبله.

وقيل يراعى أكثرهما عملا فيكون أحق بالزرع وقيل يتحاصان.

فكأن من قدم الأخير رأى أنه أحيى الزرع ولولاه لم ينتفع بعمل الأول وبطل، فكان لذلك أحق به. فإن فضل عنه شيء كان ذلك الأخير (1) للذي قبله.

ومن راعى الأكثر سلك مسلك التغليب في هذه الأمور إذا اختلطت كما ذكرناه الآن. ومن قال بالمحاصة رأى أن ذلك مما لا يتميز مقدار المنفعة بعمل أحدهما دون الآخر فكانا شيئين (2).

وكذلك لو استدان دينا يبيح به زرعه ثم استدان دينا آخر فإن الدين الآخر أحق مما قبله.

ولو اجتمع أجير وصاحب الدين الذي أنفق في الزرع لكان الأجير أحق من صاحب الدين هكذا رأى بعض الأشياخ.

لكن الذي وقع في العتبية أن من استدان دينا فزرع، ثم استأجر أجيرا فعجز فاستدان دينا للزرع، فإن صاحب الدين الأخير أحق لأن به حيي الزرع وتم، (وموجير الذي قبله) (1) ولولاه ما تم الزرع كان الأجير أولا أو آخرا فإن الآخر يكون أحق.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٣٦