تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو وقع التفليس في شراء منافع ظهور الدواب أو بطون السفن، فإنه إذا فلس المكتري كان صاحب الدابة وصاحب السفينة أحق بالمحمول على دابته أو في سفينته، سواء كان رب الدابة والسفينة مصاحبا لدابته أو سفينته أو لم يكن مصاحبا لها.

فأما إذا كان مصاحبا لذلك فكان جائز (2) لما حمله. والصانع قد قدمنا أنه أحق بالمصنوع إذا كان في يده لم يسلمه إلى ربه، لكونه كالرهن، فكذلك صاحب الدابة يكون أحق بما على ظهرها إذا لم يسلمه إلى ربه.

وأما كونه أحق، وإن لم يكن مصاحبا لدابته، فإنه قدر أن ظهر دابته وبطن سفينته نابا عن حوز يده، وكأن رب المتاع المحمول لما سلم ذلك إلى الدابة والسفينة فكأنه سلمه إلى مالكها. لكن عبد الملك بن الماجشون ذكر قولا مبسوطا محصوله: أنه من سلم إليه شيء انفرد به، وبعد به عن صاحبه، وفوض أمره إليه، فإنه يكون أحق به كراعي الماشية إذا سلمت إليه وفوض أمرها لتدبيره، وزالت يد صاحبها عنها، أو استؤجر لطلب آبق فحصله في يده، أو على جلب مال من بلد فجلبه وحصل في يديه، فإن هذا، وما كان في معناه، يكون حائزه أحق به. وأجراه مجرى الرهبان لأن (3) الحوز.

وهذا القول منه قد يشير إلى أن من حمل متاعا على دابته ولم يصاحبها، وإنما صحبها صاحب المتاع، فإن رب الدابة لا يكون أحق يعدم (1) الحوز. وقد أشار ابن المواز إلى قريب من هذا المعنى: من استأجر بقرا يدرس بهم (2) في الأندر فإن صاحب البقر إذا درس بها وانقلب ليلا وترك الطعام في الأندر فإنه أحق به لأن الأندر لا ينقلب به، ولا هو مما ينتقل. بخلاف صانع يعمل لك نهارا في بيتك، ثم انصرف ليلا فإنه لا يكون أحق بالمصنوع مما يصح الانقلاب به، فتركه بيد صاحبه مع القدرة على نقله يشعر بعدم الحوز.

ولو كان المكترى دارا لم يكن صاحب الدار أحق بما فيها من المتاع إذا وقع التفليس. وذلك أن الساكن بالدار هو الحائز لمتاعه الذي هو فيها، ولا مدخل لرب الدار أن (3) في حيازة هذا المتاع فلهذا لم يكن أحق به.

وذهب عبد الملك بن الماجشون إلى كونه أحق بما في الدار، وقدر أن الدار بها صون هذا المال وحفظه، فأشبه ما اتفق عليه المذهب من كون مكري الدابة أحق بما عليها والعلة في ذلك كون الدواب والسفن إذا حملت المتاع أو الطعام من بلد إلى بلد فما ذلك إلا لطلب الأرباح، فيقدر ما زاد من الربح بسبب هذه النقلة كأن رب الدابة أفاده لرب المال وأعطاه إياه، فكان أحق به. ولكن قد يقتضي هذا التعليل الذي ذكروه أنه يكون أحق بالأقل مما زاد السفر، أو سميا في عقد الكراء.

وذهب عبد الملك إلى أن أصحاب الدار أحق بما فيها من المتاع، وإن كان السكان انفردوا بحوزه. قد (4) يشير إلى خلاف ما أشار إليه بعض أشياخي من كون صاحب الدابة لا يكون أحق بما على ظهرها إذا لم يصاحبها لأن المتاع

الذي بالدار لم يصاحبه أيضا صاحب الدار، ولا له عليه حوز ولا يد. فهذا مما ينظر فيه تخريج مذهبه في المتاع المحمول على ظهر الدابة. هذا في تفليس المكتري.

وأما لو كان الذي فلس هو مكري الدابة، وكان الكراء في ذاته (1) بعينها، فإن المكتري أحق بها من غير خلاف، كمن اشترى سلعة معينة ففلس بائعها قبل تسليمها فإن العقد فيها لا يبطل بتفليس بائعها. وأما إن كان الكراء مضمونا، وإنما اكترى منه حمل متاع أو طعام مضمون عليه في ذمته، ووصوله إلى المكان الذي اكترى إليه، فإنه إن لم يسلم إليه دابة يركبها لم يكن أحق بشيء من دوابه. وإن سلم إليه دابته يركبها أو يحمل عليها فذهب ابن القاسم في المدونة على أنه أحق، وفي غير المدونة لم يكن أحق، ولو كان يدير (2) الدابة تحت الراكب. والقول الثاني أن الراكب لا يكون أحق.

فكأن المذهب الأول بناه على أنه إذا سلم إليه دابته فكأنه عين حقه فيه (3)، فصارت كالمكتراة بعينها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٣٥