تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الاختلاف في الإجارة فقد بينا على أنه من باع سلعة فضمانها منه حتى يمكن المشتري من قبضها فيتركه باختياره. أو يكون يضمن المبيع بالعقد

قبل أن يمر مقدار التسليم وتمكين المناولة، على حسب ما بينا هذا في كتاب البيوع. هذا الحكم إذا لم يسلم الصنعة.

وأما إن سلمها فالمشهور أنها إن كانت عينا قائمة كرقاع رقع الصانع بها الثوب الخلق أو جلودا رقع بها الفراء، أو ما يعمله الصيقل في سيوف، فإن هذا إذا سلم الصانع المعمول فيه إلى ربه كان شريكا بمقدار ما سلم مما له عين قائمة. والقولان فيما يقدر ما سلمه من هذه الأعيان: هل يكون شريكا بقيمته لأنه هو المبيع، وكأنه سلعة أضيفت إلى سلعة على وجه يتعذر فيه الانفصال والتمييز فيكونان شريكين في ذلك.

وأشار ابن حبيب في هذه المسألة إلى أن الشركة تكون بمقدار ما زاد الصانع، كما في أحد القولين في الصباغ أنه يكون شريكا بما زاد.

وظاهر الروايات أن الرقاع تقوم، ويقوم الثوب ويكونان شريكين بنسبة هذا التقويم.

والذي قاله ابن حبيب في مسألة الترقيع: إنه يكون شريكا بما زاد، لم يجعل للصانع محاصة بقيمة ما سمي من الإجارة، خلاف ما نذكره عن ابن المواز. وظاهر الروايات إطلاق التقويم والشركة على حسب ما قلناه، لكن الصباغ (1) قال: هذا إذا كانت الرقاع هي الأكثر مما استؤجر عليه، فيما سوى ذلك مما عمله البائع من خياطة، أو ما في معناها، أو كانت رقعة في الثوب أو رقعتين مما يحتقر ويكون كالتبع للخياطة التي تكون في الثوب، فإنه لا تكون الشركة، ويكون الصانع أسوة كما لو سلم الصانع ما صنعه وأخذه رب الشيء المعمول فيه ما عمل، وهو مما لا عين له قائمة تتميز كالقصارة أو الخياطة فإنه ها هنا يكون أسوة لكونه قد باع ما هو كالغائب الذي ليس بعين قائمة فأشبه من باع طعاما فأكله مشتريه.

وأما إذا كان عينا قائمة، فيصير المبيع غير فائت فيكون أحق به على جهة الشركة كما يكون بالسلعة المنفردة إذا باعها وفلس مشتريها.

وقيل: بل يكون أحق بسلعته وإن كانت قصارة أو حياكة (1)، على حسب ما حكيناه من كون (2) أحق بما دفعه وهو عين قائمة غير متميزة، فيكون شريكا بذلك. وهذا القول وقع على الإطلاق، ولم يفترق (3) غير من ذهب إليه من كون الصنعة عينا قائمة (4) وليست بعين قائمة؛ لأن العمل المستأجر عليه قد فرغ منه، وعدم وفات في نفسه، فلا فرق بين ما يكون عنه من عين قائمة أو غير قائمة. وقد أضيف إلى هذا القول الذي حكيناه فيما ليس بعين قائمة كالخياطة والقصارة والصبغ فذكر القولان فيما سلمه الصانع من قصارة أو خياطة أو صبغ: هل يكون أسوة في الجميع أم لا؟ وإضافة الصباغ إلى هذا النوع الذي هو القصارة والخياطة فيه نظر، لأن المعروف من المذهب أن الصباغ يجري مجرى العين القائمة، وإن كان لا يمكن انفصاله. وقد قدمنا الكلام على الصانع إذا صبغ الثوب ودفعه إلى ربه أنه يكون شريكا بما زاد فيه الصبغ ويحاص ببقية ما سمي له من الإجارة التي عقدا عليها.

واعترض بعض الأشياخ الحذاق هذا بأن الجمع بين كونه شريكا بما صبغ ثم طلبه المحاصة بما بقي من الإجارة كالمخالف لأصل المذهب، لأن من اختار أخذ سلعته ناقصة لا يحاص بما انتقص منها.

وقد يدافع عندي هذا الاعتراض بأن لمن أخذ سلعته ناقصة فقد أخذ ما باع بعينه وفسخ البيع رضا به عما له في الذمة.

وهذا إذا أخذ ما زاد الصباغ على قيمة الثوب أبيض، فإنه أخذها (1) هو أحق به من الغرماء، لكون ما زاد الصباغ في الثمن كعين قائمة هو أدخلها في مال المفلس فيكون أحق بها، ثم يضرب ببقية ما سمي له من الأجرة، فكأنه إنما أمضى عليه عقد الإجارة، واختص منه بقدر ما زادت صنعته دون غيره من الغرماء، وبقي بقية التسمية، تطلب بها الذمة، فيحاص بها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٣٤