فلو علا السعر حتى صار يشتري له أقل مما يشتري له يوم الحصاص، لم يكن له نقض ما تقدم من حصاص وقسمة بين الغرماء الذي هو أحدهم.
ولو تغير السعر برخص حتى صار يشترى له أكثر مما كان يشتري له يوم قسمة المال بين الغرماء، لكان الفاضل عما يشترى له مما اقتضاه السعر يوم قسمة المال للغرماء، ويدخل معهم فيه، ويصير كمال طرأ للمفلس فإن غرماءه يتوزعونه وهو أحدهم.
وذهب ابن الماجشون إلى أن هذا الفض الذي حدث بمقتضى اختلاف الأسعار يستبد به هذا الغريم الموقف له المال، ويشترى له ما بقي له في ذمة المفلس، بناء على أصله، فإن مصيبة ما وقف من ذلك ممن له الدين. وإذا كان ضمانه منه فنماؤه له يحسب من دينه.
ولو كانت المنافع التي اشتريت منافع رجل بعينه لم يكن لمن اشتراها مدخل (1) للصانع من الأموال إذا فلس بل تكون أمواله لغرمائه الذين يستحقون عليه المال.
وأما الذي استأجره فإنما استحق حركاته فلا يتعدى ما استحقه إلى أن يكون له نصيب من ماله. ولكنه من حقه أن يجبر الصانع المفلس على أن يعمل له ما استأجره عليه.
ولو كان الذين استأجروه جماعة لقدم منهم الأول فالأول. وإن جهل الأول منهم اقترعوا على من يقدم. لكن لو كانت العادة التي دخل عليها كل من استأجر هذا الصانع لا يقدم الأول فالأول بل يقدم من شاء، فإنه ها هنا يبقى على العادة التي دخل معه عليها جميع ما استأجره.
هذا حكم تفليس بائع المنافع المضمونة والمعينة.
وأما الحكم في تفليس من اشترى المنافع: فإن الصانع إذا استؤجر على حياكة أو صبغ ثوب صباغا (1)، أو صياغة حلي فصاغه، أو خياطة ثوب فخاطه، أو قصارته فقصره، إلى غير ذلك من أنواع الصناع، فإنه إذا فلس دفع (2) هذه المصنوعات إليه قبل أن يشرع في العمل، فإنه إن شاء تمادى على العمل وحاص بثمنه، وإن شاء فسخ العقد لكونه تعذر (3) عليه استيفاء الثمن، فله أن يفسخ البيع إذا (4) لم يمكن إيصال الثمن إليه، ولا يكون من حقه (5) أن يصبغ (6) الثوب، ويكون شريكا بالصباغ؛ لأن مقتضى العقد أحد الأمرين: إمضاؤه على ما هو عليه وعلى ألا يكون شريكا بصبغه أو نسجه إذا تعذر الثمن على بائع منافعه قبل أن يعمل. وإن فلس دافع هذه المصنوعات بعد أن عمل الصانع ما استؤجر عليه، وذلك لم يخرج من يده، فإنه له حبسه حتى يستوفي أجرته وسواء في ذلك فلس رب المصنوعات أو مات، فإن ذلك كالرهن في يده حتى يستوفي أجرته، ومن ارتهن فإنه أحق به من غرماء راهنه. وحاول بعض أشياخي تخريج خلاف في هذا، إذا لم تكن العادة جارية بأن الصناع يمسكون الأشياء التي أودعوها صنعتهم حتى يأخذوا إجارتهم، فإنا إذا لم نجعله كالرهن باشتراط أو
بعادة جرى ذلك على القولين فيمن فرغ من صنعته ثم ضاع المصنوع ببينة بعد فراغ العمل فيه، قولان: أحدهما أنه يستحق الإجارة بفراغه من العمل، بناء على أن الثوب (1) قبض الصنعة لما فرغ الصانع منها وأكملها، فصار قبض الثوب لها كقبض مالك الثوب. ولو وقع التفليس بعد أن سلم الصانع لأربابه لكانوا أسوة فيجري على هذه الطريقة إذا قلنا: إنهم أسوة وقلنا إن الصنعة إذا كملت في الثوب صار ذلك كقبض مالكه الثوب، إلا أن يكون الصانع له إمساك الثوب حتى يستوفي الأجرة.
وهذا التخريج قد يتعقب يكون من باع سلعة فمن حقه إمساكها حتى يأخذ الثمن. وليس هذا الحكم بمقتضى العادة، وإنما هو بمقتضى الشرع على ما أدى إليه النظر من ذهب إلى أن المشتري يقدم بدفع الثمن قبل أن يقبض المبيع.
ومن سلك هذا فلم يستند إلى العوائد إلى (2) ما ذكرناه من كتاب البيوع.
وإذا كان الأمر كذلك فليكن ذلك الرهن شرعا والرهن من حق مرتهنه أن يمسكه حتى يستوفي دينه في الفلس وفي الموت، فيكون ما ذكره أهل المذهب من هذا جاريا على هذا الأصل الذي قدمناه سواء كانت عادة أو لم تكن، وسواء كان الثوب كالقابض للصنعة أو لم يكن؛ لأن الثوب وإن كان قابضا لها أيضا مقبوض للصانع، فالصانع قابض للقابض فيكون من حقه أن يحبس الصنعة وما حلت فيه، وإن كان قابضا لصنعته لأن الكل مقبوض في يده، فلا يجري ذلك مجرى من أسلم (3) الثوب إلى ربه، لأن يده زالت عنه بالمشاهدة فيحسن أن يقال: إنه أسوة، بخلاف ما لم تزل عنه يده، ولا عما حل فيه.