وعند الشافعي أن يكون شريكا بمقدار ما بقي من الثمن فيهم، إن شاء، أو يمضي البيع ويحاص بما بقي من الثمن.
ولو تقدم بعض الثمن وفات في يد المشتري بعض المبيع لفض ما بقي من الثمن على المبيع كله، فيرد مما قبض ما قابل الموجود من المبيع وأخذه إن شاء وتمسك بما قابل المبيع الفائت وحاص بما بقي من ثمنه.
ولو كان ما باع عبدين متكافئين بمائة دينار وفات أحدهما، وقد قبض خمسين دينارا، فإن الخمسين دينارا المقبوضة مقبوضة نصفين: نصفها وهو خمسة وعشرون تقابل العبد الفائت، فيتمسك بها ويحاص بالخمسة والعشرين الباقية من ثمنه، والخمسة والعشرون الأخرى المقابلة للعبد الموجود الذي لم يفت هو بالخيار بين أن يردها ويأخذ العبد، أو يتمسك بها ويترك العبد، ويحاص بالخمسين الباقية من ثمنه.
ومذهب الشافعي أنه يكون الخمسون المقبوضة مقابلة العبد الفائت كلها، وتبقى الخمسون في مقابلة العبد الحاضر، فيكون بالخيار إن شاء تركه وحاص بثمنه، وإن شاء أخذه وسقط عن المشتري ثمنه وهو الخمسون الباقية.
وكأن الشافعي رأى أن البائع إذا باع سلعة وقبض نصف ثمنها فجعلنا المقبوض لا يرد، وهو في مقابلة نصف السلعة، واختار ألا يحاص فإنه يكون شريكا في العبد فيما يكون من حقه أن يرده كله أو يكون من حقه أن يرد بعضه.
وكان مالك قدر أن الشركة تصير العبد معيبا فيلحق المشتري من ذلك الضرر. وإنما جعل البائع من المفلس أحق بعين سلعته لإزالة الضرر عنه فلا يزال الضرر بضرر يلحق المشتري.
وأصحاب الشافعي ينفصلون عن هذا بأن هذا الضرر قد لا يلحق، لكون الشركة إنما يقع الضرر فيها مع استدامتها، وهذا المفلس يباع ماله فلا يلحقه الضرر، ولو لحق ضرر بانتقاص الثمن لأجل الشركة، فذلك يسير، وضرر البائع
في منعه أخذ سلعته وغرم ثمنه ضرر كثير، فيجب أن يكون مقدم الاعتبار.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
قد تكلمنا على حكم التفليس في شراء أعيان المتملكات، وسنتكلم على حكم التفليس في شراء المنافع.
والتفليس يتصور في شراء المنافع من ناحيتين:
من ناحية تفليس بائعها، والأخرى من تفليس مشتريها.
فأما إذا فلس بائعها فلا يخلو أيضا الأمر من وجهين:
أحدهما: أن يكون شراء منافع في الذمة، مثل أن يسلم رجل دنانير إلى رجل في أن يحوك له غزلا ويصبغ له ثوبا، أو ما في معنى ذلك من الصناعات، على أن يكون العمل في ذمة قابض رأس المال، فيجري مجرى السلم. فإذا فلس الصانع وجب لدافع الدنانير أن يحاص بماله في الذمة من عمل، يقوم العمل يوم الحكم، فإن اختار دافع الدنانير التمسك بالعمل الذي اشتراه نظر إلى ما أخذه في الحصاص وهو قيمة العمل، فاستؤجر له به من يعمل ما على المفلس الصانع من ذلك العمل، ويكمل دافع الدنانير من عنده سلفا للصانع ما يستوفي جميع العمل، ويتبعه بمقدار ما أسلفه من ذلك. وهذا السلف، وإن كانت له فيه منفعة، فهو لصيانة المال لا لطلب زيادة في مقدار السلف. وقد قدمنا في شراء الأعيان إذا وقع الفلس أن للغرماء أن يدفعوا من أموالهم جميع الثمن الذي يستحقه البائع رجاء لما يتوفر لهم من ثمنها إذا باعوه، فيحسبون ذلك من ديونهم، على أحد الأقوال التي قدمناها.
وإن كان العمل سلعة واحدة فله أن يفسخ ما اشترى من صبغه إذا كان يتعذر عليه أخذ جميعها من مال المفلس، وتبعيضها كالعيب الذي يوجب رد ما اشتراه. وكذلك لو كانت سلعا، والتبعيض مما يضر به فإن له الفسخ. وإن اختار الفسخ كانت المحاصة بجميع الثمن الذي دفعه فما صار له من ذلك
أخذه، واتبع المفلس ببقية الثمن، لأنه إذا اختار الفسخ تعلق حقه بارتجاع الثمن فإنما يحاص به، وإن اختار إمضاء العقد تعلق حقه بما اشتراه فيحاص بقيمته.
ولو اختار التمسك بالقيمة فحصل له في المحاصة مقدار من المال، فتغيرت بعد ذلك أسعار الإجارة، فإن ذلك حكمه كما سبق فيمن أسلم في طعام ففلس المسلم إليه، فإنه يحاص بماله في الذمة، ويوقف ما صار له في الحصاص حتى يشترى له بعض الدين الذي في الذمة.