تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن اختلف في ذلك لو طحن القمح ووجب رده من ناحية العيب: هل يكون طحنه فوتا أم لا؟ وقد كنا قد قدمنا إجراء بعض أشياخنا إجراء الخلاف في مسائل العيوب في هذا النوع من مسائل التفليس.

وقد اختلف المذهب في غاصب غصب قمحا فطحنه: هل يكون للغاصب وعليه مثله؟ أو يكون لربه أن يأخذه مطحونا، لكون الطحن ليس بمعنى مفيت للعين ولا زائد في جواهرها؟ والقمح تقل فيه اختلاف الأغراض إذا تماثل.

وكذلك اختلف فيمن اشترى قمحا فطحنه ثم استحق من يده: هل يأخذه مستحقه مطحونا ويدفع إجارة الطحن أو لا يدفع إجارة الطحن لكون ذلك ليس بعين قائمة كما لا يلزم مستحق الأشجار أن يغرم قيمة السقي والعلاج على أحد القولين عندنا، لكون ذلك مما لا يتميز ولا يمكن انفصاله؟

ولو كانت جارية فسمنت أو غلاما علم القرآن، فإن في هذا أيضا اضطرابا

بين العلماء: هل هذه الآثار حكمها حكم الأعيان لكون ما أحدثه المشتري ليس بجواهر متميزة (ليس إليها التصرف) (1)، وإن لم تنفصل؟

وقد أشار بعض الأشياخ إلى إجراء الخلاف فيمن اشترى قمحا فطحنه ثم فلس من اختلاف المذهب في جواز بيع القمح بالدقيق بناء أيضا منه هذه الطريقة على أحد القولين عندنا في كون ارتجاع السلعة بالتفليس كبيع مستأنف.

ويجري الأمر في الطحن على أنه تفريق أجزاء كقطع الثوب. وقد ذكر ابن حبيب أن قطع الثوب قميصا في التفليس فوت يمنع البائع من أخذه. وكذلك اتخاذ الخشبة تابوتا أو بابا، أو ذبح الكبش، أو جعل الزبدة سمنا. وهذه مسائل يكثر تعدادها، وما ذكرناه منها يرشد إلى ما أضربنا عنه منها.

الجواب عن السؤال السابع أن يقال:

أخذنا الكلام على هذا السؤال وإن كانت توجب الرتبة إيراده في الفصل الذي ذكرنا فيه اختلاف العلماء: هل يكون البائع أحق بسلعته في الفلس والموت أم لا؟ لكونه ها هنا إذا قبض بعض ثمن سلعة باعها ثم فلس المشتري، فإن أبا حامد الإسفرايني ذكر عن مالك مذهبا في هذه المسألة (أو ثبت عنه، ألحقنا المسألة بما كنا فيه الآن) (2). وذلك أنه حكى عن مالك أنه يقول فيمن باع سلعة فقبض بعض ثمنها وبقي بعضه: إن ذلك فوت يمنع البائع من ارتجاع سلعته.

واحتج عن مالك هذا في (3) رواه في موطئه من قوله: إذا باع سلعته ولم يقبض من ثمنها شيئا فالبائع أحق بسلعته، على نحو ما قدمناه من نص الحديث.

ورأى أن مالكا لما اشترط، فيما رواه، من كون البائع أحق بسلعته في الفلس لا

يكون قبض من ثمنها شيئا، يقتضي دليل هذا الخطاب أنه إذا قبض شيئا من ثمنها فلا يكون أحق بها.

وهذا عندي لا يثبت عن مالك، فلعل الإسفرايني فهم عنه هذا من تقييده ما رواه في موطئه يكون البائع لم يقبض من ثمنها شيئا. وأما مذهب مالك رضي الله عنه فإنه يخير البائع بين أن يرد جميع ما قبض ويرتجع سلعته، أو يتمسك بها ويحاص ببقية الثمن، ولا يطلب ثمن سلعته بل تباع له وللغرماء؟ ومذهب الشافعي أنه يرتجع من سلعته بمقدار ما بقي من الثمن إذا شاء، أو يسلم ذلك ويحاص بما بقي من الثمن.

مثل أن يكون اشترى عبدا بمائة دينار، فقبض من ثمنه خمسين، فإن الخمسين المقبوضة تقابل نصف العبد والخمسون الباقية تقابل نصفه أيضا.

فعند مالك أن البائع إن شاء رد الخمسين التي قبض واسترد جميع العبد، وإن شاء طلب الخمسين الباقية وحاص الغرماء فيها وترك جميع العبد.

ومذهب الشافعي أن الخمسين المقبوضة يسقط حق البائع في نصف العبد وتبقى الخمسون الأخرى كأنها ثمن عبد كامل، إن شاء طلب بها مال المفلس مع جملة الغرماء، وإن شاء استرد نصف العبد.

ولو كانت سلعة كثيرة تختلف قيمتها، لكان الفض والتقويم على هذه النسبة. فلو اشترى ثلاثة أعبد بمائة دينار، قيمة أحدهم نصف الثمن وهو خمسون دينارا، والآخر خمس الثمن وهو عشرون، وللآخر ثلاثة أعشار الثمن وهو ثلاثون دينارا. وكانت العبيد عند المفلس لم يفت منهم أحد، وقد قبض ثلاثين، لكان البائع بالخيار في أن يرد ثلاثين دينارا، أو (1) يأخذ الثلاثة أعبد، أو يسلم جميعهم ويحاص بثمنهم. ولو كانت الثلاثة أعبد متكافئة القيم لكان هذا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٣١