تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما إشارته أيضا إلى اعتبار البناء بالقلة والكثرة فإن ظاهر المذهب يمنعه من ذلك. وذلك أن مالكا ذكر في الموطأ ما حكيناه عنه من كون الشركة واجبة بقيمة البناء وقيمة الأرض. ومثل ذلك بأن يكون قيمة البناء ألفا وقيمة الأرض خمسمائة، ولم ير ذلك فوتا، وإن كان قيمة البناء الثلثين وقيمة الأرض الثلث.

لكن أشار بعض أصحاب الشافعي إلى هذه الطريقة وحمل كلام الشافعي عليها.

وذلك أن الشافعي ذهب في هذه المسألة إلى أنه إذا وقع التفليس وأراد البائع ارتجاع المبيع، فيقال للبناء (1): أقلع بناءك وغرسك حتى ترد إليه الأرض براحا كما اشتريتها، فلا يبقى له مقال. ولو كان في قلع الغرس والبناء ما يعيب الأرض فإن الشافعي ألزم المشتري قيمة هذا العيب إذا اختار البائع ارتجاع الأرض؛ لأنه عيب أحدثه ليخلص ملكه في يديه، فيجب أن يطالب بأرش ما جناه على ملك الغير، لكونه جنى هذه الجناية على ملك الغير لمنفعة نفسه وتخليص ملكه. قال الشافعي وإن لم يساعده المشتري على قلع بنائه وغرسه قيل للبائع: ادفع إليه قيمة بنائه، نحو ما نقوله نحن في بناء المشتري بوجه شبهة ثم استحقت عليه الأرض. فإن امتنع البائع من دفع قيمة البناء، فقال الشافعي: يسقط حقه في ارتجاع أرضه ولا يكون له إلا المحاصة. وقال في بعض كتبه أيضا: لا يسقط حقه في عين أرضه. فالمزني وغيره من أصحابه يحل ذلك على اختلاف

قوله منه. ومن أصحابه من لا يراه. اختلف قوله: يسقط حقه في عين أرضه، على أن للبناء قيمة كثيرة. وقوله: لا يسقط حقه في عين أرضه، على أن للبناء قيمة يسيرة. وهذا نحو ما ذكرته عن بعض أشياخي وهو خلاف ظاهر مذهبنا.

والقسم الثاني وهو أن يحدث المشتري في المبيع جواهر يميزها البصر ولا تتميز بالعقل يتميز انفصال، كصبغ الثوب ودباغ الجلد. فهذا فيه عندنا قولان: المشهور أن ذلك لا يكون فوتا.

وقال ابن وهب في أحد قوليه: إن ذلك فوت. ورآه كتغيير في العين يصيرها كأنها ليست هي العين المبيعة، فلم يجعل للبائع إلا المحاصة. ورأى مرة أخرى أن ذلك ليس بفوت. وعلى هذا القول ثبت أن ذلك ليس بتغير يخرج العين عن الغرض المقصود منها حين البيع فيكون شريكا.

واختلف المذهب على قولين بماذا يكون شريكا في الفوت؟ فقال ابن القاسم: بقيمة الصبغ.

وذهب غيره إلى أنه شريك بما زاد الصبغ في قيمة الثوب أبيض. وإلى هذا أشار ابن المواز وكأنه ناقض ابن القاسم بقوله في الصباغ إذا استؤجر على صباغ ثوب فدفعه إلى ربه، ففلس ربه: إن الصباغ يكون شريكا في الثوب بما زادت قيمة الصبغ فيه.

فكأن من رأى الشركة بالقيمة قدر أنها سلعة ملكها (1) أضافها إلى ملك رجل آخر إضافة لا تتميز. فكانا شريكين في هذا المختلط بقيمة ما لكل واحد.

ومن رأى أن الشركة إنما تكون بما زاد الصبغ في قيمة الثوب على أن ينزع صباغه منه فصار كأنه هو المتلف لماله بإضافته إلى ملك غيره إلا أن يكون ما فعله يزيد في قيمة الثوب أبيض. فتصير تلك الزيادة كمعنى منفصل عن ملك الغير فيختص بها من أحدثها.

وهكذا مذهب الشافعية كون الشركة يعتبر فيها ما زاد الصباغ في قيمة الثوب.

وقد ذكرنا ما أشار إليه ابن المواز عن ابن القاسم في صباغ استؤجر على صباغ ثوب فصبغه وسلمه إلى ربه، ثم فلس ربه، أنه يكون شريكا في الثوب بما زاد فيه الصبغ. وقال: ويحاص بقيمة الأجرة التي عقدت الإجارة بها.

وعارض بعض الأشياخ الحذاق هذا وقال: إذا كان شريكا بما زاد فلا معنى لتمكينه من المحاصة ببقية الأجرة. ورأى أنه كمن اختار أخذ سلعته بعينها وهي ناقصة عما باعها عليه فلا تكون له المحاصة بعيب حدث فيها من قبل الله سبحانه على المشهور من المذهب.

وأما لو اشترى قمحا فطحنه ثم فلس، فإن المشهور من المذهب أن ذلك فوت يمنع من أخذ عين القمح المطحون.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٣٠