تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

له مال، وعلى ذلك بذل الثمن على نفس المال فزوال المال من يده كتغيير بعض صفاته، ولو كان ذلك من الرد بالعيب فإن المشتري إذا انتزع مال العبد وأراد أن يرده بالعيب، فإنه يرد معه ماله الذي انتزعه إذ ليس له أن يرده وقد حدث فيه عيب لا يحط لأجل العيب شيئا، والمفلس إنما يأخذه بعينه إذا شاء أو يبقى العبد على ما هو عليه.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال:

المشتري أباح له الشرع التصرف في المبيع بنفس تسلمه وكون العقد صحيحا، فإن أحدث في المبيع حادثا من شيء أضافه إليه، أو صنعة عملها فيه، فإن ذلك لا يخلو من أن يكون أضاف إلى البيع (1) أجساما متصيرة (2) في البصر، ويمكن تمييزها بالانفصال، وذلك مثل البناء والغرس، فإنه إذا اشترى أرضا فبنى فيها، ثم فلس، فإن البائع لا يسقط حقه في عين المبيع لقوله عليه السلام: "فهو أحق بمتاعه إذا وجده بعينه" (3)، وهذا قد وجده بعينه فيجب أن يكون أحق به. لكن المشتري إذ ابن ي بوجه جائز صار له حق فيما بناه اختلط بالمبيع، فلا يسقط حقه فيه أيضا. فهاهنا اختلف العلماء في حكم هذا الاختلاف (4) فإن مالكا رضي الله عنه فإنه ذهب إلى أن البائع إذا أراد ارتجاع أرضه مكن من ذلك، ولكن بشرط أن يشارك المشتري بقيمة ما بناه، تقوم الأرض على حال ما هي عليه من بناء، ثم يقوم البناء على حياله، والأرض بغير بناء، فيكونان شريكين في الأرض وبنائها بحسب ما اقتضاه التقويم. قال في الموطأ: وتفسير ذلك أن تكون الأرض ببنائها تساوي ألفا وخمسمائة درهم، فتكون قيمة البناء ألف درهم، والأرض براحا خمسمائة درهم، فيكونان شريكين

في هذه الدار: ثلثاها لمن بناها والثلث لبائعها براحا (1).

وذهب فيمن بني أرضا اشتراها بوجه شبهة فبناها، إلى خلاف هذا. فجعل من حق من أتى فاستحقها أن يعطى قيمة البناء قائما فتصير الأرض وما فيها من بناء لمن استحقها لمن هو في يديه وباع ملك هذا المشتري عليه بغير اختياره. وجعل البناء في التفليس لا يباع على بانيه حتى يجبر على تسليمه بقيمته للبائع، وما ذلك عندي إلا لأجل أن من اشترى أرضا من سوق المسلمين معتقدا أن الذي باعها هو مالكها حقيقة، فبنى فيها بناء يعتقد أنه مباح له فظهر أنه أخطأ في اعتقاده، وبنى في أرض غصبها بائعها منه، ولم يسقط ملك المغصوب منه الأرض عنها على حال، ولا تغير ولا تبدل، فكان استحقاقه لأرضه واضحا، وحرمة ملكه متأكدة، وحرمة بناء المشتري غير متأكدة، لأنه ظهر أنه بني في أرض لا يملكها، ولو اطلع على باطن الأمر ما حل له التمسك بها ولا البناء فيها، فلما قوي أمر المستحق وضعف أمر هذا المشتري، حكم عليه بإخراج ما في يده من البناء بغير اختياره.

وأما من اشترى أرضا من مالكها فبنى فيها، ففلس فإن بناءه صادف ملكا محققا له في الظاهر والباطن، واعتقاده أن البناء مباح له صواب لا غلط فيه، وإنما حدث عيب في ذمته أوجب للبائع الخيار في استرجاع ما في يديه ورده إلى ملكه بعد أن خرج على ملكه، فإن حرمة بنائه متأكدة فلم يجبر على أن يسقط حقه في عين بنائه بأن يدفع إليه قيمته، ولم يجعل مالك ولا أحد من أصحابه البناء ها هنا فوتا أحال العين وغيرها حتى يسقط مقال بائعها في ارتجاعها، ولا يكون له إلا طلب الثمن والمحاصة به. لكنهم اختلفوا فيمن اشترى أرضا فبنى فيها، ثم اطلع على عيب: هل بناؤها فوت يمنع الرد بالعيب ويوجب أخذ قيمته، أو لا يكون ذلك فوتا.

وأشار بعض أشياخي إلى تخريج الخلاف من هذه في الفلس إذا بني.

وأشار أيضا إلى اختلاف مقدار البناء والنفقة فيه، فيكون الكثير فيه يفيت الأرض والقليل لا يفيتها.

فأما تخريجه الخلاف من مسألة العيب، فقد يدافع فيه، ويقال له: إن العيب لما كان من جهة البائع ويتهم فيه بالتدليس بأنه أسقط حقه في إمضاء البيع على ما هو عليه، بأن يرضى المشتري به أو ينقضه ويأخذ ثمنه. والتفليس لا يتصور فيه من جانب البائع تفريط ولا تلحقه تهمة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٢٩