فإن كان الحادث فيه عيبا حدث من قبل الله، فإن المعروف من المذهب تخيير البائع بين أخذ سلعته على ما هي عليه من عيب، وبين تركها والرجوع إلى
المحاصة مع الغرماء، قولا مطلقا من غير تفصيل لحكم العيب.
لكن بعض الأشياخ أشار إلى ما كنا قدمناه في صدر هذه المسألة، فقال: لو اشترى عبدا فهرم عنده ثم فلس، أو كان صغيرا فكبر ثم فلس، لجرى ذلك على القولين في الكبر والهرم: هل هي فوت يمنعان الرد بالعيب أم لا؟ وقد ذكر ابن شعبان في مختصره عن مالك أنه قال: إذا اشترى جارية فحدث بها عيب، فالبائع بالخيار بين أن يأخذها بقيمتها أو يتركها ويحاص بالثمن.
وجعل بعض أشياخي هذه الرواية على أن المراد به يأخذها بقيمتها بأن ينسب ذلك من الثمن الذي وقع به البيع، فيحط عن البائع مقدار النقص الذاهب الذي عابها، ويكون له الخيار فيها سواه: هل يأخذه بما قابله من الثمن، أو يتركه ويحاص بالثمن، كمشتري سلعتين فاتت إحداهما في يديه ثم فلس.
ويحتمل عندي أن يكون المراد أخذها بقيمتها على ما هي عليه، ويحاسب بذلك من الثمن؛ لأن الغرماء لا حق لهم في عين سلع المفلس إذا لم يكونوا هم باعوها منه، وإنما حقهم في مقدارها فإذا دفع البائع لهم قيمتها على ما هو (1) عليه من عيب، كان أولى بها ويحاسب بذلك من الثمن، وتكون قيمتها بدل عينها فيكون ذلك بما قلنا: إن الغرماء إذا دفعوا إليه ثمن سلعته سقط حقه في عينها، فكذلك إذا دفع هو إليهم قيمة السلعة المعينة كان هو أحق منهم أيضا، إذ لا فائدة لهم في عينها.
وأما القسم الثاني، وهو أن يكون العيب الحادث كان عن جناية جان، فإن البائع أحق بعين سلعته بمقدار قيمة ما بقي منها بعد الجناية من قيمة الذاهب بجناية الجاني، بسبب (2) ذلك من الثمن. فإن كانت الجناية برئت على غير
نقص ولا عيب في الأمة المجني عليها أو العبد المجني عليه، وقد أخذ المشتري بذلك أرشا، فإن البائع إذا اختار أخذ الجارية لا يكون (1) حق في الأرش الذي أخذه المشتري بل يكون ذلك. كالغلة التي لا يردها.
وقد قال ابن المواز: لو أخذ المشتري أرش موضحة وبرئت على غير عيب، ثم اطلع على عيب فرده به فإنه لا يرد أرش الموضحة، وأجراه مجرى الغلات لما كان ذلك لا يورث (2) في الذات.
وأما إن كانت بجناية المشتري بأن يكون لبس الثوب حتى خلق فإنه يكون الذاهب بلباسه كالذاهب بأمر من الله سبحانه لا يحط عن البائع لأجله شيء إذا اختار أخذ العين، فإما أن يأخذ الثوب الخلق بجميع الثمن أو يتركه ويحاص بثمنه.
قال ابن الماجشون: إلا أن يكون الثوب قد بلي بلاء فاحشا فيكون ذلك فوتا.
والأولى ها هنا أن يكون كما لو ذهب بجنايته، فيحط عن البائع مقدار ما أذهبه اللباس على صفة ما ذكرنا من التقويم ونسب من الثمن.
وأما التغيير في الجارية المعينة (3) من جهة الولادة فإن المعروف من المذهب عندنا أن الولد ليس بغلة، بل هو كعضو من أعضائها، فيجب رده معها في التفليس، كما يرد يدها أو رجلها، فكذلك ولدها. فإذا قدرناه كعضو من أعضائها، فالبائع بالخيار من أن يأخذها وولدها، أو يتركها ويحاص بجميع الثمن.
ولو مات أحدهما إما الأم وإما الولد لكان الباقي منهما كأنه جميع المبيع.
لكان الباقي منهما كأنه جميع المبيع فالبائع بالخيار بين أن يأخذه بجميع الثمن، أو يتركه ويحاص بالثمن الذي (1) الموت ها هنا مجرى عضو ذهب بأمر من الله سبحانه فلا يكون للبائع إذا اختيار (2) العين مقال في أن يحط عنه مقدار ما ذهب إما الأم وإما الولد. (لكن ينبغي أن يتحمل ما حكيناه عن ابن شعبان) (3) من كون العيب الحادث من الله سبحانه للبائع فيه مقال إذا اختار أخذ العين وكانت الأم هي الميتة وبقي الولد.
وأما لو كان الذاهب ليس بموت، ولكن ببيع عقده المشتري قبل أن يفلس، فإنه يعتبر في ذلك: هل البيع وقع في الأم خاصة وبقي الولد؟ فيكون البائع بالخيار، إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء تركه وحاص بالثمن الذي باع به. وإن كان البيع في الولد وبقيت الأم وحدها، فإن في الموازية عن مالك أن البائع بالخيار بين أن يأخذ الأم بجميع الثمن، ولا يحط عنه لأجل الولد شيء، أو يتركها ويحاص بالثمن. وأنكر سحنون هذا، وقال: لا أدري ما هذا.