تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إمساكها وأخذ قيمة العيب.

وكذلك لو اشتراها شراء فاسدا وقد دفع الثمن، ففيه أيضا قولان: هل يكون أحق بإمساكها حتى يقبض ما دفع من الثمن، وتصير في يده كالمرتهنة بالثمن، أو لا يمكن من ذلك، لأن انتقاض البيع ها هنا مجبوران عليه البائع والمشتري، فكأنه لم يقع فيه عقد أصلا لما كان الشرع رده، فلو فاتت في يد المشتري لوجبت عليه القيمة وبقيت السلعة في يده.

ومما يخرج على هذا الأصل أيضا ما ذكره أشهب عن مالك فيمن باع رطبا، ففلس المشتري بعد أن صار الرطب تمرا، فقال مالك: لا يكون البائع أحق به في الفلس. قيل له: إن رطبه بعينه؟ فلم يجز ذلك، ورأى أنه كمن باع رطبا بتمر، وهذا ربا لا يحل.

وقال أشهب بجوازه بناء على أن التفليس كنقض بيع من أصله، فكأن هذه الثمرة لم يقع فيها بيع فيكون بائعها أحق بها عند الفلس.

وكأن مالكا رأى أن أخذ السلعة عند الفلس كابتداء شرائها بالثمن الذي في

ذمة المشتري، ولا يجوز أن يأخذ عن ثمن رطب تمرا، كما لا يجوز بيع التمر بالرطب.

وكذلك لو فرضنا المسألة بأنه باع شاة حية فذبحها مشتريها أو قمحا فطحنه، أو زبدا فصيره سمنا، فإن ذلك كله على الخلاف الذي قدمنا: إن قلنا: أخذ السلعة عند الفلس نقض للبيع من أصله أجزناه. وإن قلنا: إنه كابتداء بيع مضى هذا كله وقدرنا في الشاة الحية إذا ذبحت كأنه بيع اللحم بالحيوان.

فكذلك الزبدة مع السمن والقمح بالدقيق على مذهب من صار أنه لا يجوز المعاوضة في ذلك، على ما قدمناه وشرحناه في كتاب البيوع.

وعلى هذا الخلاف المذكور فيمن باع عبدا فأبق عند المشتري ثم فلس، فذهب أشهب إلى أن بائعه ليس له طلبه وترك المحاصة، بل يتعين حقه في المحاصة بثمنه، بناء على أن الأخذ (1) عند المفلس كابتداء بيع، فليس له أن يبتدىء شراء آبق بدين له في الذمة.

وذهب ابن القاسم وأشهب إلى أن طلب الآبق جائز. واختلفا إن لم يجده: فقال ابن القاسم ليس له الرجوع إلى المحاصة، وقدر أنه لما تركها بطلب الآبق كأنه أسقط حقه فيها. وهذ ابن اء على أن أخذ السلعة نقض للبيع من أصله، فكأن البيع لم ينعقد، فيكون لبائع العبد طلبه وان أبق. ومقتضى هذا البناء ألا يرجع إلى المحاصة لانتقاض الثمن بانتقاض البيع. وكأن أشهب استخف رجوعه إلى المحاصة وقدر أنه ليس بتارك لحقه فيها لما (أخذ عين العبد) (2) فلم يحصل له ما رجاه.

وقد عورض أصبغ في منعه اختيار طلب الآبق لأجل أنه كمشتري آبق بما نابه، إذا قدر ذلك فيه، ومنع منه لأجل الغرر في شراء الآبق، فإنه يقدر فيه أيضا

كأنه كبيع آبق لما يصير له في المحاصة فلم ينفك الاختيار لأحد الأمرين من غرر فلا ينبغي أن يمنع أحدهما ويسوغ للآخر.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:

قد قدمنا أن الأحاديث الواردة في كون البائع أحق بسلعته في الفلس شرط فيها: إذا كانت السلعة قائمة بعينها. وقد علم أن السلعة قد توجد بعينها لم يتغير شيء من صفاتها، أو يوجد عينها وقد تغيرت صفاتها.

فأما القسم الأول وهو وجودها ولم تتغير، فلا إشكال فيه لأنه أمر محسوس.

وأما القسم الثاني، وهو تغيرها، فإن الضابط في هذا الوجه اعتبار التغير هل أفرط حتى صار الشيء كأنه جنس آخر ويراد لغرض آخر، فيكون كفوات العين، يجب للبائع المحاصة ولا يكون له حق في العين، أو يكون التغير يسيرا فلا يبطل حقه في العين إذا شاء.

وقد نبه مالك على هذه المسائل عن من اشترى ثيابا فقطعها، فقال: لا أدري، لكن لو كان اشترى جلودا فقطعها نعالا لكان ذلك فوتا.

فأنت ترى كيف أسقط حق البائع في النعال لما كان الغرض في الجلد المبيع خلاف الغرض في النعال.

وقطع الجلد نعالا تغيير شديد. وأشكل الأمر عنده في الثياب، فقال: لا

أدري. لكون السؤال فيه إجمال لاختلاف تفصيل الثياب.

فإذا تقرر هذا فاعلم أن الحادث في المبيع قد يكون بأمر من الله سبحانه لا صنع للخلق فيه، أو يكون بجناية جان، أو يكون بفعل فعله المشتري.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٢٤