تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورأى بعض الأشياخ أن خلط القمح النقي بالمغلوث والجديد بالمسوس، لا يمنع البائع من كونه أولى بما باع بعد أن يقوم الخليط، ويكون بائع السلعة أحق بما يصير له من القيمة.

وأجرى على المسألة المشهورة إذا اختلط شعير بقمح أو زيت بربيق فإن ذلك من استحقاق العين بعد التقويم، على ما ذكر في الروايات، فيما يستحق، مما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.

وأما الشافعي فإنه رأى إن خلط زيتا اشتراه بزيت أجود منه، مثل أن يكون الذي اشتراه يساوي قفيزا بدرهمين والذي خلط به يساوي قفيزا بأربعة دراهم فإنه ذكر قولين:

فإذا قلنا: إن ذلك كالفوت فلا تفريع على هذا. وإن قلنا: إن ذلك ليس بفوت، فظاهر كلامه يقتضي أن يكون شريكا بالقيمة في عين الزيت.

وتأول بعض أصحابه عليه أن يكون شريكا في عين الزيت، لما يوقع ذلك فيه من التفاضل. وأما إن خلطه بأدنى منه، فإن أصحابه متفقون، إلا من شذ منهم، أنه من حقه أن يأخذ المكيلة التي باع من هذا الزيت المختلط؛ لأنه يأخذ

أقل من حقه، فقد باع قفيزا طيبا فأخذ قفيزا دونه، ولبائع السلعة أن يأخذها بعينها وإن نقصت.

ومما يلحق بما حكاه العقود لو اشترى سلعة ثم باعها ثم فلس، فقام بائعها في طلب الثمن، فإنه إنما يجب له محاصة الغرماء بالثمن؛ لأنه لم يجد عين سلعته في يد مشتريها. لكن إذا حكم بالمحاصة وأخذ ما صار له من مال الغريم، ثم ردها مشتريها الثاني بعيب فيها، فإن المذهب انتقاض ما سبق من المحاصة ورد السلعة إلى يد المفلس ليأخذها البائع منه، وكأن يد (1) مشتريها الثاني لها كشف أن البيع لم ينعقد فيها لما ردت بالعيب، ويقدر أنها لم تخرج من يد مشتريها الأول، وإذا كانت لم تخرج من يده فلا شك أن بائعها أحق بعينها، فإذا استحق العين رد على الغرماء ما أخذ منهم في المحاصة.

وقد قيل في مثل هذا: إن الحكم إذا وقع لم ينقض. وذلك أن ابن حبيب ذكر فيمن اشترى سلعة ثم باعها ولم يعلم بعيب فيها، فبعد البيع أعلم به، أخذ قيمته لكونه لا يمكنه رد السلعة بعينها. فبعد أن أخذ قيمة العيب ردها مشتريها منه بالعيب، فإنه لا يرد على بائعها ما أخذ منه من قيمة العيب ولا يصير كسلعة لم تبع اطلع فيها على عيب، فالحكم أن المشتري غير بين أن يقبلها بعينها ولا يأخذ من الثمن شيئا، أو يردها ويأخذ الثمن لمنع ابن حبيب من ردها، وقال: ذلك حكم مضى، يأخذ قيمة العيب، فلا ينقض. وإذا رجعت السلعة إلى يد بائعها الثاني فكذا ينبغي إذا حكم بالحصاص لا ينتقض به أيضا. وهذا يلتفت فيه إلى كون الرد بالعيب هل يكون نقضا له من أصله حتى كأنه لم يقع فيه عقد، أو يقدر كأنه ابتداء مبايعة الآن لما رد بالعيب. فإن قلنا: أنه نقض للبيع من أصله، تأكد ما قيل في مسألة المحاصة إنها تنتقض. وإن قلنا: إنه كابتداء بيع تأكد القول المخرج بأنها لا تنقض. على هذا لو اشترى سلعة ودفع ثمنها ثم اطلع على عيب وقد فلس بائعها فقضي له بالرد فإنه إذا رد ووجد الثمن الذي دفعه

للبائع قد فات فإنه يحاص بالثمن. وإن وجده باقيا بعينه وهو عرض كان أحق بعينه وإن كان دنانير أو دراهم فعلى القولين اللذين قدمناهما.

وأما إذا لم ترد السلعة بالعيب وفلس البائع، فالمسألة على قولين هل يكون أحق بثمنها وتباع خاصة دون الغرماء على أحد الأصلين أن الرد بالعيب كابتداء بيع، فله أن يحبسها حتى يستوفي ثمنها، أو لا يكون أحق بها إذا اختار ردها، وتباع، ويكون أسوة الغرماء في ثمنها بناء على أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله، وكأنه لم يشترها، ولكنه له دين على صاحبها فإن وجده بعينه أخذه، وإن لم يجده بعينه حاص الغرماء بثمنها. وقد قيل: له إمساكها ومحاصة الغرماء بقيمة العيب، وكان هذا فداها به لما كان إذا ردها لم يرجع إليه الثمن كله الذي دفع، وصار ذلك في حقه كحدوث عيب بها، فله

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٢٣