تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله:

وتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس يختلف: فمنهم من يتعلق حقه بمال معين. ومنهم من يتعلق حقه شائعا في جميع ماله.

فالأول كالبائع يجد عين سلعته على حالها لم تفت، فله الخيار بين أخذها بالثمن الذي باعها به أو تركها والحصاص. فإن كان قبض بعض الثمن رده وأخذها.

وفي الموت لا رجوع له، بخلاف الفلس، وهو والغرماء أسوة.

والثاني هم سائر الغرماء الذين لا يعرفون أعيان أموالهم، فيستوون في المحاصة.

ثم قال: والصناع إذا قبضوا السلع وأفلس أربابها فأخبرهم (2) فهم أحق بها

في الموت (1). وكذلك مستأجر الأرض للزرع يكون ريها أحق بالزرع، والسكنى (2).

قال الفقيه الإمام رحمه الله:

يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة، منها: أن يقال:

1 - ما الدليل على كون البائع أحق في الفلس، وأسوة في الموت؟.

2 - وهل تعلق حق غير مشتريها بها يمنع كون بائعها أحق أم لا؟.

3 - وما العقود التي يكون صاحب السلعة أحق بها؟.

4 - وما حكم العيب الحادث عند المفلس أو الولد الحادث عنده؟.

5 - وما حكم الثمرة الحادثة عند المشتري؟.

6 - وما حكم ما يضيفه المشتري في التفليس إلى المبيع؟.

7 - وما الحكم في كون البائع قبض بعض الثمن وبقي بعضه؟.

8 - وما حكم التفليس في شراء المنافع؟.

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:

اختلف الناس في تعذر استيفاء ثمن السلع المبيعة: هل يوجب للبائع حقا في فسخ العقد أم لا؟، فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يوجب للبائع حقا في فسخ البيع لا في فلس المشتري ولا في موته، وبه قال النخعي والحسن البصري.

وذهب الشافعي إلى أنه يوجب للبائع حقا في فسخ البيع إذا كان المبيع قائم العين سواء فلس المشتري أو مات، وبه قال من الصحابة: عثمان وعلي وابن مسعود وأبو هريرة، ومن التابعين: عروة بن الزبير. ومن الفقهاء: أحمد وإسحاق.

وذهب مالك إلى التفرقة بين الفلس والموت على حسب ما ذكره القاضي أبو محمد، فجعله في الفلس أحق بعين سلعته، وفي الموت أسوة مع الغرماء.

والذي يجب النظر فيه في سبب هذا الخلاف يتبع ما وقع من الآثار وذكر تأويلاتها والترجيح بين ما يؤول فيها، ثم النظر في طريق الاعتبار.

فأما الآثار فينبغي أن تعلم أن مدار الحديث الذي تعلق به العلماء في هذا على أبي هريرة، وإن كان قد روى نافع عن ابن عمر والحسن عن سمرة بن جندب نحو ما روي عن أبي هريرة، فخرج مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باع من ثمنه شيئا فوجده بعينه، فهو أحق به وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء" (1).

وأتبع ذلك أيضا ما رواه يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره" (2).

وقد اختلف الرواة في النقل عن أبي هريرة لهذا الحديث فأظهرها في النقل في النقل ما رواه مالك عن طريق يحيى بن سعيد بإضافة المال إلى رجل منكر لم يذكر فيه صفة انتقال المتاع إلى من هو بيده.

لكن خرج مسلم في كتابه "فصاحبه الذي باعه أحق به" (1) فبين في هذه الرواية صفة كون المتاع في يد المفلس، وأنه مبيع.

وفي بعض الطرق عن أبي هريرة في صفة المتاع في يده فروى عنه قال: "إذا أفلس رجل أو مات فصاحب المتاع أحق به" (3). وهذه رواية للشافعي عمن حدثه بهذا الحديث (2). لأجل هذا الذي رواه لم يفرق بين المفلس والموت كما صنع مالك. ولأجل رواية مالك في موطئه ما رواه عن ابن هشام من التفرقة بين الفلس والموت ذهب إلى ما حكيناه عنه من التفرقة. لكن أصحابنا طعنوا فيما رواه الشافعي وأشاروا إلى القدح في صحته، وأنه لم يثبت عند أهل الحديث.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦١١