تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأصحاب الشافعي قدحوا أيضا فيما تعلق به مالك مما رواه عن ابن شهاب بكونه حديثا مرسلا لأن أبا بكر بن عبد الرحمن لم يسمع من النبي عليه السلام.

ومذهب الشافعي ترك الأخذ بالمراسيل إلا مراسيل ابن المسيب.

وأجيبوا عن هذا الطعن بأن المالكية والحنفية يقولون بالمراسيل فلا يمنعهم من التعلق بهذا الحديث كونه مرسلا. على أنه، وإن كان مرسلا في أكثر الروايات وأظهرها، فقد رواه عبد الرحمن عن مالك مسندا عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام. وإذا أرسل أكثر الرواة حديثا وأسنده بعضهم قبل المسند وأخذ به، كما تقبل زيادة العدل في حديث على جماعة رووه، على خلاف بين الأصوليين في هذا الإنفراد: هل يوجب التوقف عن القبول أم لا؟ وهكذا يطعن فيما عول عليه الشافعي في الزيادة التي رواها من قوله: "إذا فلس الرجل أو مات" فإن ذكر الموت ساقط في أكثر الروايات فقبوله ممن انفرد به من الرواة جار على الخلاف الذي ذكرناه بين أهل الأصول.

هذا تحقيق القول فيما ورد من الآثار والإشارة إلى ما يقبل منها وما لا يقبل على اختلاف أهل الأصول.

وأما القدح فيها فقدل بعضهم إن الذي رواه مالك في الموطإ من قوله عقيب ذكر الفلس ((وإن مات الذي ابتاعه فالبائع أسوة الغرماء)) ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام وإنما هو رأي وهو مذهب أبي بكر بن عبد الرحمن الراوي عطفه على ما رواه عن النبي عليه الصلاة والسلام في المفلس. وهذا طعن لا ينبغي التشاغل به لأن الراوي إذا قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام، وأورد جملا عطف بعضها على بعض فإن جميعها يحمل على أنه من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. ولو توقف عن بعض الجمل لأجل تجويز كون الواو للاستئناف أو حرف العطف وأنه من كلام الراوي لبطل أكثر أحكام الشريعة المأخوذة من السنن.

وتعويل هؤلاء على ذكر الموت عقيب ذكر الفلس ساقط في أكثر الروايات لا تلتفت إليه أيضا، لكون الزيادة من الراوي العدل تقبل على الأصح من مذاهب أهل الأصول. فلو كان القدح من هذه الجملة لكان راجعا لما قدمناه من كون القوادح الأول المختلف فيها. وأما حمل ذلك على أنه فتوى من الراوي خلطها بكلام النبي عليه الصلاة والسلام، فإن هذا لا ينبغي أيضا أن يضاف إلى الأئمة الرواة العدول لأن فيه تدليسا وتلبيسا في أحكام الشرع، وتغريرا بمن يأخذ بالحديث المروي، ولا يستحيل (1) خلافه كما يستحيل (1) مخالفة مذهب الراوي، وقد يرى نفسه أفقه منه، وهذا مما لا ينبغي التشاغل به، وإن كان الشافعي من كبار الأئمة طرق إلى هذا الحديث الاحتمال من هذه الجهة لجواز أن يكون من كلام الراوي.

وحاول أبو حامد الإسفرايني تصحيح هذا الذي أشار إليه الشافعي بأن قال: أظن أني رأيت في بعض الروايات: قال أبو بكر: فإن مات فهو أسوة

للغرماء. وهذا أيضا ظن من أبي حامد أنه رأى ما ذكر، ولا يثبت بالظن خبر، مع أنه أيضا لم يذكر أن هذا الظن بأنه رأى هذه الزيادة منسوبة إلى ثقة سماه، وهذا مما لا يقدح به فيما قدمناه من وجوب حمل الرواة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال كذا وكذا على أنه قول النبي عليه الصلاة والسلام بأسره لا على أن بعضه من كلامهم، وبعضه من كلام النبي عليه الصلاة والسلام.

فإذا تحقق لديك ما عرضناه عليك من هذه الأحاديث والقوادح فيها، والانفصال عن القوادح، فالإنصاف يقتضي أن قول أبي حنيفة: أن من له الدين أسوة مع الغرماء في الفلس والموت هو القياس، ولولا الأحاديث التي رويناها لم تحسن مخالفته، لكن الرجل يذكر عنه أنه كان يقدم الأقيسة على خبر الواحد، فيمكن أن يكون صار إلى ما ذهب إليه من جهة القياس ألا يختص هذا الغريم بسلعته لأجل أن ملكه قد زال عنها زوالا محققا متيقنا، فصارت سلعة هذا الغريم كغيرها من السلع المأخوذة عند المفلس وفي تركة الميت. فكما لا يختص بغيرها من سلع المفلس أو الميت بل ذلك يتساوى فيه الغرماء، فكذلك في سلعته لكونها ساوت سائر أملاكه. وأيضا فإن من باع سلعة بثمن في ذمة المشتري تعلق له حقان في الثمن: حق في كونه في ذمة المشتري، وحق في حبس السلعة حتى يأخذ ثمنها. فإذا أسقط أحد الحقين وهو حبس السلعة حتى يأخذ ثمنها وسلمها لمشتريها فليس له أن يرجع في هذا الحق، ويسترد السلعة إلى ملكه، ويفسخ العقد فيها حتى يعطى ثمنها. ألا ترى أن من باع سلعة وأخذ بالثمن رهنا، ثم سلم الرهن لراهنه، فإنه يبطل حقه فيه ولا يمكن من ارتجاعه عند فلس أو موت ويساوي الغرماء في ثمن هذا الرهن. فكذلك السلعة المبيعة إذا كان من حق البائع أن يحبسها بالثمن فسلم حقه في ذلك وأسقطه، لم يمكن من الرجوع في هذا الحقال في أسقط، وبقي الحق الآخر، وهو كون الثمن في الذمة، وهذا الحق استوفى (1) فيه هو وسائر الغرماء.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦١٢