وقولهم: إن أصحاب الديون المؤجلة إذا ذهبوا إلى موضع به المال فإن القياس: لا يمكنون من أخذ ما بقي لهم حتى يحل الأجل، و (1) ارتفاع العلة التي أوجبت لهم الحصاص لما كان المال غائبا. وهذا خلاف؛ فظاهر (2) كلام أصبغ، وكأن أصبغ رأى أن الحكم إذا وقع لم يرتفع لارتفاع عليته.
وكذلك في المبسوط لابن نافع أنه إذا مات من عليه الدين المؤجل، فقال ورثته: نأتوا (3) الحميل موسر يضمن عنا الدين إلى أجله، وتقسم التركة. فإنهم لا يمكنون من ذلك.
وكأنه رأى أن حلول الدين بالموت ضربة لازم فلا يتغير الحكم فيه بزوال علته. وهذا مطابق لما حكيناه عن ابن القاسم أيضا من كون طلب العروض في المفلس إذا أراد بقاءها في الذمة فإنه لا يمكن من ذلك. وعارض أيضا هذا كما عارض ابن القاسم فيما حكيناه عنه. وكأن وجه ما وقع في المبسوط أن من له الدين إنما عامل على ذمة معينة، فالتحويل عنها لا يجب عليه، كما لا يجبر من له الدين. فدخل (4) على أن يتحول به على رجل آخر.
الجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
اختلف الأشياخ المتأخرون في الديون إذا كانت من أكرية وهي مؤجلة ففلس المكتري، فهل يحل ما عليه من الكراء أم لا؟ وكثر النزاع بين الحذاق في هذا، ووقفت على تأليف جرى بينهم في هذا.
فكأن بعض أشياخي رأى أن ظاهر المدونة يقتضي حلول الدين، وتعلق بما وقع في المدونة من قوله: إذا فلس مكتري المائة (5) فإن صاحب الدابة أولى
بالمتاع من الغرماء، ويباع للغرماء منافع الدابة. وظاهر هذا تعجيل حقه في الكراء إذ لا يصح أن يباع للغرماء منافع يأخذونها ويبقى هو طالبا للكراء من ثمن المبتاع (1) إذا بيع للغرماء بعد انقضاء المسافة.
وقال أيضا فيمن اكترى أرضا فزرعها ثم فلس: إنه يحاص الغرماء بالكراء. وظاهر هذا تعجيل الكراء له وإن لم يحل. وذكر لي بعض أشياخي أن القاضي أبا محمد عبد الوهاب وقع له في خلال كلامه في شرح الرسالة أن الدين يحل ها هنا. وكذلك ذكر لي عن المبسوط.
ولم أقف أنا على هذا في هذين الكتابين فيما أذكر الآن. لكن عندي أن المسألة كالمنصوص فيها على قولين لأنه اختلف المذهب فيمن أكرى دارا خمس سنين بمائة دينار قبضها، فذهب حول بعد قبضها: هل يزكي جميعها كما يزكي ما في يديه من مال لا يخشى استحقاقه عليه أو لا يزكي سوى عشرين دينارا، وهي التي تنوب العام الذي تقضى، ولا يخشى أن يردها على دافعها وما سواها من السنين الأربع الباقية لا يزكيها الآن، لكون الرابع (2) المكترى قد ينهدم فيبطل الكراء، فيجب عليه رده. وهذا مبني على اختلاف في الطوارىء النادرة، هل يلتفت إليها وتعتبر [في] الأحكام أم لا؟.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
أما المفلس فلا تحل ديونه المؤجلة لأجل ما حل عليه من ديون هي عليه مؤجلة. وهذا لا خلاف فيه لكون: أن من له عليهم الدين لم تتغير ذمتهم التي عاملهم عليها، فيكون له مقال في حلولها، ولكن تباع لغرمائه (3) حال كما يجوز البيع في مثلها. ولو كانت مما لا تباع أصلا على حال كطعام أسلم فيه، فإنه
يؤخر إلى أن يحل الأجل فيقضى منه حق الغرماء. وهذا قد يقال فيه هلا باعه القاضي برأس ماله بمعنى التولية أنه ينظر فيمن يتولاه برأس المال، فيكون ذلك من حق الغرماء ليستعجلوا دينهم. وهذا يقال فيه: إن التولية قد يتضرر منها وأيضا فإن السلم إنما يقع ليرتفق المسلم إليه بالثمن المعجل ويرتفق المسلم بالرخص وما يرجوه من حوالة الأسواق في التأخير فإذا قضينا في التولية برأس المال بطل غرض المسلم وأضررنا به في فقد الربح. ولو كان في يد أحد الغرماء رهن بيديه (1) المؤجل لحل دينه؛ لأنه يرتفع عنه الضرر ويثق بتوصله إلى حقه لأجل الرهن الذي في يده. فكأن الذمة لم تتغير، بخلاف سواه من الغرماء الذين لا رهن في أيديهم.