تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والصحيح عند أصحابه أنها لا تحل. ولنا في أحد قوليه إن الموت يقتضي حلول الديون الآجلة لخرابة ذمة المديان، وكذلك يجب أن يكون التفليس لخراب ذمة المديان أيضا، وحدوث حالة غير (2) الذمة، وتعلق فيها حق في المال. وأيضا فإن المعاملة تقع على الذمة وتقع على أعيان المال، فإذا كان ذهاب الذمة بالكلية التي تقع المعاملة عليها توجب حلول الديون المؤجلة، فكذلك إذا ذهب الأعيان، وبقي الغريم فقيرا، وحكم بتفليسه والحجر عليه، ويجاب عن هذا بأن المال لو ذهب من يده قبل أن يحجر عليه لما وجب حال (3) الديون المؤجلة فكذلك إذا ذهب ووقع الحجر عليه، إذ لا تأثير للحجر ها هنا.

كما أن الشافعي أجاب أيضا عن قياس الفلس على الموت بأن الذمة في الموت خربت خرابا لا يرجى بعده أن تعمر، وفي التفليس، وإن خربت، فإنها ترجى بعد ذلك عمارتها بإفادة المفلس مالا من ميراث أو حلة (1) أو سعي بسعاية ومعاملات يحدثها.

واعتمد من ذهب إلى أنه لا تحل الديون المؤجلة بالفلس على أن التأجيل في ثمن المبيعات له حصة من الثمن. ومعلوم قطعا أن ما يشترى على أن يوزن (2) ثمنه إلى أجل يكون الثمن فيه أوفر من الثمن لو بيع على النقد فإذا قلنا بحلول الديون المؤجلة أفضى ذلك إلى إلزام المشتري ثمنا لم يأخذ العوض عنه وهو التأجيل. وهذا أقوى ما يعتمد عليه المخالف.

وأجيب عن هذا بأنه إنما يدفع الضرر إذا لم يقابله ضرر آخر، ولهذا قلنا إن البائع أحق بسلعته إذا وقع التفليس، وما ذلك إلا لنفي الضرر عنه. وهاهنا إذا رفعنا الضرر عن المشتري بكونه لا يحل الدين المؤجل لحق البائع ضرر في كون مال المفلس يقسمه من سواه من الغرماء، وإذا حل الأجل لم يجد مرجعا، والضرر لا يدفع بالضرر من جانب، وكون البائع أحق بسلعته في التفليس لدفع الضرر. وقد يتصور فيه ضرر بالغرماء، وسنتكلم على وجه كونه أحق بسلعته في التفليس بعد هذا إن شاء الله تعالى.

وقد تقدم الكلام على أن الديون إذا كانت كلها مؤجلة لم يجب التفليس، لكون الطالبين لم يستحقوا المطالبة، وإن كان بعضها حالة وبعضها مؤجلة، والذي في يد الغريم لا يفي بالحقوق الحالة فإنه يفلس في حق من حل دينه ومن لم يحل.

وتحل الديون المؤجلة وإن بقي في دينه (3) بعد قضاء الديون الحالة ما

يرجى منه أن يقضي دين أصحاب الحقوق المؤجلة لم يفلس في حقهم.

وبسطنا القول في ذلك. وتنازع المتأخرون إذا كان ما في يديه مقدار الحقوق الحالة لا أكثر.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

إذا فلس المديان وعليه دين من عروض أسلم إليه فيها إلى أجل، فإن الأجل يبطل، وتقع المحاصة بالعروض على أنها حلت على المفلس، وهنا يتضح إذا طلب مستحقها في الذمة أن يحاص بها على الحلول. فأما إذا أبى ذلك وقال: لا أطلب الحكم بكونها حالة. وقال من هي عليه: قد حكم الشرع بحلول ما على المفلس فلا أؤخرها في ذمتي طلبا للبراءة منها. كما لو حل الأجل المشروط (وقال من هي عليه: الدين لم يستحق ذلك عليه خذه لا براءة منه) (1)، وقال مستحق الدين: لا آخذه فإنه يجبر على أخذه، فإن ابن القاسم ذكر في العتبية أن مستحق العروض المؤجلة في الذمة يجبر على أخذها إذا أراد من هي عليه البراءة منها لما فلس.

وعارض بعض أشياخي هذا ورأى أن التعجيل لها قبل أجلها بمقتضى حكم التفليس إنما ذلك لنفي الضرر عن مستحقها في الذمة، مخافة أن تؤخر إلى أجلها فلا يجد مستحقها عند غريمه مالا يرجع عليه فيه بها، لكونه من سواه من الغرماء قد أخذوا جميع ما في يديه، فإذا رضي هو بهذا الضرر بقي الحكم على ما كان عليه من التأجيل في أصل المعاملة.

وكأنه يشير إلى أن هذه القضية بالحلول معللة بعلة فإذا زالت العلة ارتفع حكمها.

وقد كنا قدمنا عن أصبغ أنه يقول فيمن كان غائبا ماله إنه إذا فلس حلت الديون المؤجلة واستتم تفليسه، وذكرنا معارضة بعض الأشياخ في هذا،

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٠٩