فأشار بهذا إلى أن الخلاف إنما يحسن في فض عتق المدبر على المالين.
وأما الدين فلا يحسن الخلاف في كونه مفضوضا على المالين.
ومن ترك ثلاثة بنين له على أحدهم مائة دينار، وترك مائتين، وأوصى بمائة، ففي التركة ثلاثمائة، فللوصاية منها مائة، والمائتان بين البنين: لكل ابن ثلاثمائة (1) فالذي عليه المائة عنده أكثر من حقه فاقتسم ما حضر بين الولدين والموصى له على سبعة للموصى له ثلاثة، ولكل ابن ممن لا دين عليه سهمان ثم يتبع جميعهم الولد الذي عليه المائة بثلث المائة فما قبضوا منه قسموه على سبعة.
وقال محمد يأخذ الموصى له ثلث المائتين، ويقسم ما بقي على الثلاثة، فما صار للمديان رجع فيه صاحب الثلاثة ثلاثة أسباعه والوارثان بأربعة أسباعه.
وهذا الذي ذكره من القسمة على سبعة لأجل أن الموصى له [له] ثلاثة أثلاث من كل مائة ثلث وكل واحد من الأولاد له في المائتين ثلثا مائة فلهذا تكون القسمة على جزءين: لكل ولد جزءان، وللموصى له ثلاث أجزاء. ولعلنا أن نذكر المسألة، والإشارة إلى ما قاله ابن المواز في غير هذا الموضع.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله:
وتحل الديون المؤجلة بفلسه، ولا يحل ماله من دين مؤجل والميت كالمفلس في ذلك كله.
قال الفقيه الإمام رحمه الله:
يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة، منها أن يقال:
1 - ما الدليل على حلول الدين المؤجل بالموت؟.
2 - وما الدليل على حلوله بالتفليس؟.
3 - وهل يحل قولا مطلقا أو باختيار من له الحق؟.
4 - وهل تحل الديون المؤجلة إذا كانت معرضة للبطلان؟.
5 - وما الدليل على أن ما للمفلس من دين لا يحل لأجل تفليسه.
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
إذا مات من عليه دين طلبت تركته بالديون كلها، وإن كانت مؤجلة لم تحل آجالها. وهذا قول عامة العلماء وخالف في هذا الزهري والحسن البصري
وعمرو بن دينار. وكان هؤلاء يتعلقون بظاهر قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ (1) وقوله عليه السلام: "المؤمنون عند شروطهم" (2). وإذا عقد بيع بثمن مؤجل لم تلزم المطالبة به إلا عند أجله، لأنه مقتضى الوفاء بالعقد وكذلك أيضا هو كالشرط في الثمن فيجب أن يوفى بالشرط. وكأن الجمهور يرون أن البائع إنما عقد على ذمة يشق بها، فإذا خربت وذهب عين المطالب بالمال كان مقتضى العقد أيضا لا يخرج ماله ويخرج ويعرض به التلف، وأيضا فإن التركة لم تخل من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تعقل التركة عن الغرماء لحق (3) الورثة.
أو يمكن الورثة من قسمتها.
أو يمكن الغرماء من أخذ حقوقهم منها.
(4) بباطل أنها تعقل على الورثة (5) على الغرماء لأن في ذلك ضررا على الجميع. أما الغرماء، فلكون ديونهم إنما تؤخذ مما ترك الميت وتعلق حقهم بأعيان ما ترك، فإذا أوقفناه فهو معرض للتلف والهلاك، فلا يجدون مرجعا بدينهم والدية (6) التي كانت حقوقهم متعلقة بها قد بطلت بالكلية ويلحق أيضا الورثة ضرر يمنعهم التصرف فيما ورثوه من غير فائدة لهم في ذلك ولا للغرماء مع كون الميت قد قال - صلى الله عليه وسلم -: "نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى عنه" (7)،
وفي تأخير دفعه للغرماء إضرار بالجميع: بالميت والغرماء والورثة. فوجب لأجل هذا أن تحل الديون.
وإن قلنا: إن الورثة يمكنون من قسمته، فإن هذا أيضا إضرار يختص بالغرماء، لكونهم قد لا يجدون ما يرجعون فيه بدينهم إذا تصرف الورثة في مال غيرهم وأكلوه، وهذه إضرار بين لغرماء (1). فلم يبق إلا تمكين الغرماء من أخذ حقوقهم منه، ويقسم الورثة ما فضل عن الدين، فتعم هذه المنفعة الغرماء والورثة، وذلك أولى مما يضر بالغرماء والورثة.
فالجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أما المفلس إذا حكم بتفليسه والحجر عليه في ماله، فإن ديونه المؤجلة تحل عند مالك وأصحابه رضي الله عنهم.
واختلف قول الشافعي في ذلك، فقال مرة: تحل. وقال مرة أخرى: زعم بعض المفتيين إنها تحل، وأشار إلى مالك، ورأى هو أنها لا تحل.