وهذا القول الذي ذكره محمد أشار إلى رده بأن قال: الأول أحب إلي، ألا ترى لوكانت قيمة العبد مائة وخمسون، وعلى السيد خمسون، لكان ينبغي فيما وصفت لك ألا يحاص إلا بخمسين ثلث قيمة العبد وكذلك يكتفى أن لو كان عليه دين يحيط بالمدير ألا يكون له شيء.
وهذا القول الذي حكاه وأشار إلى ضعفه هو الذي ينبغي أن يكون جاريا على أصل ابن القاسم القائل بأن المدبر إذا ترك سيده مالا علم به، ومال طرأ له لم يعلم به، فإنه يبدأ بعتقه من المال الذي علم به، فلو استوعب ثلثه ثلث المال الذي علم به، وكان الميت أوصى بوصايا، فإنها تبطل، ولا يؤخذ من المال الذي لم يعلم به، ويعتق ثلثا المدبر في المال الذي لم يعلم به الميت، وهي خمسمائة ويكون للعافي جزء من سبعة عشر جزءا دينارا على ما بيناه بعد في إخراج جميع المدبر وإمضاء العتق في جملته.
وأما عبد الملك، فإنه يقول: إن المدبر يعتق فيما علم به وما لم يعلم، فما فضل من المال الذي علم به دخلت فيه الوصايا، وما فضل من المال الذي لم يعلم به لم تدخل فيه الوصايا.
وأما الدين، فالأصل فيه أن يكون شائعا في جميع المال الذي علم به للميت والذي طرأ بعد موته. والخلاف في هذا يبعد، ولم أقف فيه على نص صريح في كونه يبدأ في أخذه بإخراجه من الذي علم به.
لكن الشيخ أبا محمد بن أبي زيد قال في نوادره: روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن قتل عمدا وترك مائة، وعليه مائة دينار، وأوصى بوصايا، فعفا عن القاتل على الدية، قال: يقضى الدين من المائة التي علم بها، وتبقى الدية لورثته، وتبطل الوصايا ونبه على هذه الرواية بأن قال: انظر (1) فيها غير هذا، والمسألة الأولى في الذي عليه دين ولم يوص بشيء فعفا واحد من البنين بذلك على هذا، فأشار إلى ما كنا قدمناه في صدر هذه المسائل من كون المقتول عمدا إن ترك مائة دينار وعليه مائة دينار وعفا أحد الولدين فإن الدين يفض على أحد المالين، فما ناب المائة التي تركها ميراثا عنه أخرج لصاحب الدين، وقسم الولدان بقيتها، فكأنه يشير إلى أن هذا يقتضى أيضا توزيع الدين في هذه المسألة التي رواها عيسى عن ابن القاسم على ما علم به وهي المائة المتروكة، وعلى ما لم يعلم به وهو المأخوذ في الدية. فيجب إذا خرج من الميت (2) المتروكة ما نالها من الدين، أن تكون الوصايا في ثلث ما بقي منها مما يقسمه الولدان ميراثا بينهما.
وأشار بعض الأشياخ إلى أن قول ابن المواز ها هنا لو كان عليه دين يستغرق المدبر يجب ألا يحاص بشيء، يقتضي أن المدبر إنما يدخل فيما علم به، فإذا أحاط بالمدبر امتنع أن يكون للذي عما به حصاص لكونه لا يرث من الخمسمائة المأخوذة في الدية شيئا، وإنما يرث في المدبر، والمدبر وجب رد عتقه بالدين الذي يختص إخراجه بالمدبر، وإنما يعتق من جهة أخرى: من كونه
يدخل فيما لم يعلم به، والذي لم يعلم به الميت من هذه الدية لا مدخل للعافي فيه. واستبعد مع هذا التأويل لهذه الرواية، وقال: ينبغي ألا يختلف في كون الدين يكون شائعا فيما علم به وما لم يعلم به.
وروى عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن له مدبر قيمته مائة دينار ولا دين عليه، فيقال للذي عما كم يكون لك من المدبر لو لم تكن دية؟ فيقول: ثلثه. فيقال له: فالمدبر يستتم عتقه في الخمسمائة دينار، فيتم عتقه كله، وترجع أنت على أخيك بمثل ما يكون لك من المدبر، وذلك ثلاثة وثلاثون وثلث، ولا يكون ذلك كالدين. يفض على المالين كما قال من قال، وذلك خطأ ولا يكون الذي عما أحسن حالا لأن العافي عن العمد لم يعف عن مال ولذلك لم يضمن الدين.
وأما إن كان خطأ فليس لأحد عفو حتى يجمع الدين ثم يخرج ثلث ما بقي للمدبر والوصايا.
فأشار في هذه الرواية إلى أنه لا يفض المدبر على المالين بخلاف الدين الذي يجب فضه.