تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقبل ذلك كان لا يستحق في الصداق شيئا فلا تكون له غلة فيما مضى قبل الطلاق.

وقيل له نصف الغلة، وكأن الطلاق كشف لنا أن المرأة ما كانت تستحق إلا نصف الصداق، وكأنها اغتلت نصفه وهو مال الزوج، وهذا كما قدمناه مرارا في أحكام المرتقبات: هل تقدر كأنها لم تزل حاصلة في مبدأ الأمر، وإنما يقدر حصول ما كان مترقبا حصوله حين وجد وحصل؟.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال:

الدين يقضى عندنا من دية المديان إذا مات مقتولا وكان القتل خطأ، لأن الدية، وإن كان إنما استقر وجوبها بعد موته، فهي مال من ماله، وسببها كان في حياته، فكأنه اكتسبها في حياته؛ وأيضا فإنها عوض نفسه التي كانت تسعى في الكسب لغرمائه، وكان لغرمائه حق فيها، ويقدمون على الورثة بما ذكرناه من كونها مستحقة في حياته لكونها عوض ذمته التي أفاتها القاتل على غرمائه.

وكذلك لو كان القتل عمدا ورضي ورثته بأخذ الدية، أو تراضى بها ورثته والقاتل، فإن غرماءه أحق به من ورثته للعلة التي قدمناها.

ولو عما عن دمه بعد أن جرح الجرح الذي مات منه، والقتل خطأ، لكان عفوه عن الدية لا يجوز إذا رده الغرماء.

ولو لم يكن عليه دين لكان لورثته أن يردوا إن (1) زاد علي ثلثه مما عما عنه.

ولو كان القتل عمدا لجاز عفوه ولم يكن لغرمائه أن يردوا عفوه لأن الواجبب له القصاص، وإنما تثبت الدية بالتراضي على رواية ابن القاسم، والدم الذي استحقه لا منفعة في إراقته لغرمائه، ولا يلحقهم ضرر بعفوه، فمضى عفوه فيه. وقد كنا قدمنا الكلام على هذا، وأشرنا إلى ما يتخرج فيه على مذهب أشهب القائل إن لولاة المقتول أن يجبروا القاتل على الدية.

وكذلك لو لم يعف المقتول عمدا، ولكن عما الورثة على الدية وعلى الميت دين، فإن عفوهم جائز على غرماء الميت على ما قدمناه.

وكذلك لو عما الوارث، وعليه في نفسه دين، لم يكن لغرمائه أيضا أن يردوا عفوه. وهذا الذي ذكرناه في دم استحقت إراقته فعفا من يستحقها.

وأما إذا بطل القصاص وانتقل الحكم إلى الدية، بأن يترك المقتول ولدين فيعفو أحدهما عن الدم بغير عوض، فإن القصاص ها هنا لا يمكن لأن الثاني من الولدين الذي لم يعف إنما يستحق نصف الدم وإتلاف نصف النفس مما لا يتميز حقه فيه من حق أخيه ولا ينقسم، فإذا بطل حقه في إراقة الدم عاد ذلك مالا استحقه الذي لم يعف، فلا يمكن حينئذ هذا الذي لم يعف من إسقاط نصيبه من الدية لكون نصيبه من الدم قد امتنع إراقته فصار حقه منحصرا في الدية وذلك كمال ورثه عن أبيه مما اكتسبه أبوه، فليس له أن يهبه ويبطل حق غرمائه فيه.

ولو كان على هذا الذي لم يعف دين قد أحاط بنصيبه من الدية (1) على أبيه دين لكان غرماء أبيه أحق بنصيبه من الدية من غرمائه في نفسه، لما قدمناه من كون الدية عوضا عن النفس التي كانت تسعى لغرمائها.

فإن قيل: هلا قلتم هذا فيما يورث عن الميت بحق الولاء: إن غرماء المعتق أحق بولاء العبد المعتق الذي مات بعد موت سيده الذي أعتقه لكون الولاء إنما يستحق بسبب تقدم في حياة المعتق وهو الإعتاق، فيكون غرماء المعتق أحق به من ورثته قبل (2) العبد المعتق إذا مات سيده والعبد حي فإن كسب العبد ملك لا يقدر أحد على انتزاعه منه، وقد يموت عن ورثة يستحقونه دون ورثة سيده، والدية لم يستقر ملكها لأحد دون القتيل ولا يتبدل حكمها ولا تعلق بشرط كما تعلق الولاء بشرط ألا يكون العبد المعتق ورثته أحرار. وأيضا

فإن ما يؤخذ بالولاء ليس بعوض لذمة المعتق، ولا عامله الغرماء على أن يعتق فيأخذون ديتهم من ولاء العتيق إذا مات، وقد يموت فقيرا أو يموت غنيا وله ورثة أحرار يستحقون ميراثه دون ورثة سيده لو كان حيا. وهذا يفرق بين كون الدين يؤخذ من التركة ولا يؤخذ مما يورث بالولاء.

فإذا تمهدت هذه الأصول، فاعلم بعدها: أن الدية إذ أخذت بعد موت الميت، وقلنا: إن الدين يؤخذ منها فلو ترك رجل مائة دينار، وعليه دين مثلها، وقد قتل عمدا، فوجب في ديته ألف دينار، وكان أولياء الدم ولدين له، فعفا أحدهما عن نصيبه من الدم على أن يأخذ ديته، فإن حقه في الدم وفي الدية قد سقط، وبقي حق أخيه الذي لم يعف، وقد استحق خمسمائة دينار (1) ونصف الدية.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٦٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٦٠٣