فإذا حاصت بالمائة دينار ثم طلقها الزوج قبل الدخول فإنه يتبين لنا أن المحاصة التي كانت بالمائة أنها حقها أن تكون بخمسين دينارا لسقوط نصف الصداق، فينظر لو حاصت بخمسين دينارا أن الذي ينوبها في المحاصة فتمسكه مما أخذت، وترد ما فضل عنه للزوج يتحاص فيه جميع غرمائه بما بقي لهم، وهم على حسب ما قلناه في مسألة مرتهن الزرع إذا حاص ثم بيع وأخذ ثمنه.
ولو كان الزوج دفع إليها من صداقها نقده وهو خمسون دينارا، وبقيت خمسون دينارا مهرا ففلس، فإنها تحاص بما بقي لها من صداقها وهو خمسون، فتأخذ ما ينوبها من المحاصة بها. فإن طلقها الزوج بعد ذلك فقد علمنا أن الطلاق يسقط عنه نصف جميع الصداق نقده ومهره. فالخمسون دينارا التي قبضتها من النقد سقط حقها في نصفها وهو خمسة وعشرون دينارا، فيجب رد ذلك إلى غرماء الزوج، ويصير ذلك كمال طرأ عليه له وتبين أن المحاصة إنما كانت تجب لها بخمسة وعشرين دينارا فهو الذي يستحقها (3)، ويضرب فيما بقي لها من نصف صداقها وهو الخمسة والعشرين المهر الباقي في ذمة الزوج في
الخمسة والعشرين التي ردت وفي مال المفلس.
ولو صورنا المسألة في أن الزوج كان بيده مائة دينار وعليه لرجل خمسون دينارا، فدفع من المائة دينار التي بيده الخمسين النقد، وبقي لزوجته عليه الخمسون المهر، ففلس، فإن الزوجة يجب أن ترد خمسة وعشرين دينارا من النقد، ويضرب في مال المفلس بخمسة وعشرين دينارا نصف المهر الذي بقي لها على الزوج، ويضرب الرجل الذي له على الزوج بخمسين دينارا جميع دينه، فيستحق ثلثي مال المفلس، وتستحق الزوجة ثلثه، وجملة مال المفلس الخمسون دينارا الباقية في يديه بعد ما نقد الزوجة ثلثها، والغريم الآخر ثلثيها، وفي يد المرأة خمسة وعشرون التي أمسكتها من النقد، وخمسة وعشرون التي وجب لها ردها، وهي إذا ردتها رجعت تأخذها من الخمسة وسبعين مال المفلس، وهي ثلث الخمسة والسبعين جملة مال المفلس، فلا يرجع شيء، والغريم الآخر بأخذ الخمسين دينارا فاعتدلا في قسمة مال الغريم لما كان دينهما سواء: لهما (1) خمسون، ولها خمسون، فإذا استمسكت بالخمسين وأخذ الغريم الآخر الخمسين التي في يد المفلس، فذلك مقتضى الحصاص.
ولو نقدها الخمسين دينارا وبقي المهر خمسون دينارا فطلقها، ثم بعد الطلاق فلس، فمذهب ابن القاسم أن الجواب الذي قدمناه فيما إذا وقع الطلاق بعد التفليس وهو الحكم فيما إذا وقع الطلاق قبل التفليس وإنها إنما تستحق من الخمسين دينارا النقد التي قبضت خمسة وعشرين دينارا.
ومذهب ابن المواز أنها استحقت جميعها.
وقدر ابن المواز أنه لما طلقها قبل أن يفلس وقد علم وعلمت أن نصف الصداق واجب عليه، وفي يده نصفه، فهما كالراضيين (سا) (2) حملة الخمسين
دينارا النقد عوضا عن حق جميع حق المرأة فينصف الصداق نقده ومهره كأنها كالمحاسبة والمقاصة.
ورأى ابن القاسم أن ذلك محتمل لما ذكر ابن المواز، ويحتمل أن يكون إنما أبقياها على موجب الحكم في قصها (1) على النقد والمهر فلا يسقط موجب الحكم الشرعي بأمر محتمل. وهذا يلتفت فيه عندي من (2) العوائد وما يفهم من قرائن الأحوال، وإليه يرجع الخلاف.
ولو كانت المرأة هي التي فلست وقد نقدها الزوج خمسين دينارا أو بقي عليه المهر ثم فلست، فإن الحكم أيضا ما قدمناه من كون الخمسين التي نقدها وجب له عليها أن ترد نصفها لسقوطه بالطلاق قبل البناء، ويجب لها عليه أن تطالبه بخمسة وعشرين دينارا نصف المهر الباقي في ذمته إذا حل فيضرب الزوج مع غرمائها بخمسة وعشرين دينارا نصف المهر الذي بقي عليها إن فلس، أو يطالبوه بها إن كان مليئا وقد وقع لأصبغ ما يقتضي أن الزوج لا يحاص غرماءها بالخمسة والعشرين دينارا التي وجب عليها أن تردها إليه، فقال، فيمن دفعت له زوجته مالا على ألا يتزوج عليها ففلس وتزوج عليها، فإنها لا تحاص غرماءه بما وجب لها عليه أن يرده عليها مما أعطته على ألا يتزوج، وقدر أن بنفس التزويج وجب عليه رد مالها إليها، فصار ذلك كدين عاملته به بعد أن فلس وما حدث من الدين بعد التفليس فإنه لا يحاص مستحقة الغرماء الذين فلس لهم، فكذلك يقدر في المسألة التي ذكرناها أن بطلاق الزوج لها وجب له أن يرجع عليه ابن صف ما نقدها، وذلك بعد أن فلست، فصار ذلك أيضا كدين عاملها به بعد أن فلست. وهذا يتصور الخلاف فيه عندي من الخلاف المذكور في مسألة المدونة إذا طلقها وقد أصدقها حيوانا فاعتلته قبل الطلاق، فقيل: لا ترد من الغلة شيئا، وكأن حق الزوج في نصف الصداق إنما وجب له حين الطلاق،