تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما إن كان المتعاقدان بعيدين من معرفة هذا ويقعان في الغلط الفاحش فيه

الذي له مقدار كثير من الثمن والمثمون، فإنه لا يبيح لهما أن يتعاقدا بيعا جزافا، وهما يعلمان من أنفسهما أن غلطهما يتفاحش ويعظم حتى يقعا في الغرر والتخاطر.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: تحقيق مقادير المبيعات يكون بثلاث صور: أحدها الكيل والآخر الوزن والآخر العدد.

فأما المكيلات فالحنطة والشعير والقطاني وغيرها من ضروب المكيلات فإنه لا يختلف في جواز بيعها جزافا على الجملة. وكذلك الموزونات أيضا كاللحم وشبهه. وأما المعدودات فقد وقع في المذهب روايات تشير إلى الاضطراب في هذا. فوقع لمالك رضي الله عنه في الموطأ أنه قال، في بيع الإبل والغنم والخيل والرقيق جزافا: إن ذلك لا يجوز. ولا يجوز الجزاف فيما يعد عدا (1). وهذا الإطلاقال في وقع في الموطأ يقتضي ظاهره منع بيع المعدود جزافا، بخلاف المكيل والموزون. وإن ترك على ظاهره كانت التفرقة بينه وبين المكيل والموزون أن المكيال والميزان التي لا يمكن العلم بالمبلغ في الحنطة واللحم إلا بحضورهما، وقد لا يوجدان أو يشق إحضارهما، فرخص في ذلك لأجل هذه المشقة. والعدد لا يفتقر فيه العاد إلى آلة قد يتعذر إحضارها. فلم يكن في تكليفه العدد مشقة. فلهذا عفي (2) عنه. لكن الحذاق من المتأخرين يشيرون إلى أن قول مالك رضي الله عنه هذا متأول فيما يكون المراد منه أعيان آحاده لا العلم بمبلغه. فلهذا مثل في الموطأ لما ذكر هذا بالإبل والغنم والخيل والرقيق. وهذه الأصناف التي ذكرها المراد أعيان آحادها والإحاطة بصفاتها، كل شيء منها على حياله، ليعلم بذلك قدر ثمن كل واحد على انفراده، فيحصل له من ذلك كونه غابنا أو مغبونا. فلو بيعت الجمال أو الجواري عددا من غير اطلاع على صفات كل واحد منها على انفراده، لعظم في ذلك الغرر واتضح الخطر. فيحمل قول مالك: ولا يباع جزافا ما يعد عذاة على هذه الأجناس

المراوإلاطلاع على عين آحادها. وأما ما تتساوى آحاده والمراد منه معرفة المبلغ كالمراد من صبرة الحنطة معرفة مبلغها لا عين كل برة منها، فإنه يجوز بيعه، وإن كان معدودا، جزافا، فإن اعترض هذا ما أشرنا إليه من التفرقة التي ذكرناها آنف ابين المعدود والمكيل قيل قد يكثر الشيء حتى يشق عدده كما يشق كيله ووزنه. وهكذا عند القاضي أبي محمد عبد الوهاب هذا الباب لتمييز ما المراد منه أعيان آحاده؟ أو ما المراد منه معرفة مبلغه لا أعيان آحاده؟ لكن هذا الذي ذكرناه في المعدود يقتضي أنه لو كان قليلا لا كلفة في عدده، والعادة أن يباع بالعدد لم يسامح ببيعه جزافا. وقد قال مالك رضي الله عنه: لا بأس أن تباع العصافير والحيتان الصغار جزافا. وأما الكبير منها فلا يباع جزافا، وإنما يعد عددا. وفي الموازية أنه إذا علم أحد المتعاقدين العدد فكتمه عن الآخر وتبايعا على الجزاف، أن ذلك عيب يوجب الرد. فأشار ها هنا إلى جواز بيع المعدود جزافا. فتحمل هذه الروايات التي اختلفت ظوأهرها على ما قلناه من كون المعدود لا تراد آحاده. فيجوز فيه الجزاف كالجوز والبيض، على حسب ما مثل به القاضي أبو محمد عبد الوهاب المعدود الذي يجوز بيعه جزافا.

لكن وقع في كتاب ابن حبيب جواز بيع الأترج والبطيخ جزافا، وإن اختلفت أجرام آحاده في الكبر والصغر. وهذه الرواية لا تصح على ما أصلناه، إلا أن يكون الثمن لا يختلف عند المتعاقديق باختلاف صغر البطيخ وكبره. وقد ذكرنا عن مالك أنه أجاز بيع العصافير جزافا. لكن ابن القاسم تأول ذلك على أنها مذبوحة، وأما إن كانت حية فلا يجوز بيعها جزافا لأنها يموج بعضها في بعض. وهذه إشارة إلى أن الحية لا يتأتى حزرها لما يحدث فيها من حركات وبسط أجنحة يستر بعضها بعضا. وهذا مسلم إن ثبت أن الحزر لا يوثق به فيما كان حيا منها؛ لأنا شرطنا في جواز بيع الجزاف أن يكون مما لا يعظم الغلط فيه ويتفاحش، فقدر ابن القاسم أن الحي من العصافير يعظم الغلط فيه ويتفاحش، فلهذا منعه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥