تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الذي قاله يدع وابن القاسم إلى ما ذهب من المنع من هذا التراجع الدائر مرارا. ولو فرضت هذه المسألة على حالها، وأضفنا إليها ثبوت مائة دينار على الميت فإنك قد علمت من هذه المسألة وجوب المساواة بين الأجنبي الذي لا بينة له وبين الوارث في المحاصة بالدين، وعلمت وجوب المساواة فيما بين الوارثين.

فلتعلم أن الدين إذا كان ببينة مع (1) تركة الميت أن (2) تورث إلا بعد قضاء الدين، فصار ها هنا في هذه المسألة زيادة هذا الوجه، وهو كون الوارث المقر له حكمه أن يساوي الأجنبي في قسمة الدين لكونهما ثبت دينهما بطريقة واحدة وهي الإقرار. وحكم الأجنبي أن يساوي من له البينة وإن لم يكن له هو بينة فقد صارت الثلاثة أشخاص حكم أحدهما أن يساوي الآخر وهما الأجنبيان، وحكم أحد الأجنبيين أن يساوي الوارث ولكن حكم الوراث ألا يساوي من له الدين بالبينة وإن كان يساوي من ساواه وهو الأجنبي الذي لا بينة (3).

فهاهنا ذكر ابن المواز أن الواجب في هذه المسألة إخراج الولد واطراحه، وقسمة المائة دينار التي تركها الميت ما بين الأجنبيين خاصة. لكن من له البينة يمنع الوارث من أن يرث ويمنعه أيضا إقرار أبيه له، فصار من هذه الجهة كالعدم، فتقسم التركة بين الأجنبيين، لأجل هذا قال ابن المواز. وقال غيره (فيهما فمن له رأي) (4) إن الأجنبيين إذا اقتسما المائة نصفين، رجع الأخ الذي لم يقر له وبقية الورثة سواه على الولد المقر له فقاسموه، رجع (5) بما أخذ منه على من له الدين بالبينة حتى يساويه في خسارة ما أخذ منه، فإذا رجع إليه وساواه رجع بقية الورثة على هذا الذي أخذ من الذي له البينة فأخذوا أيضا حقه (6) من الميراث. هكذا أبدا حتى لا يبقى في يد الوارث شيء. وأنكر إذا وقعت المحاصة، فإن المحاصة إنما تكون بأن يضرب الولد المقر له بجميع الدين الذي يقر له به ويضرب أخوه بمقدار ما بقي له، ويكون الوارث لا يبقى في يده شيء لأجل حق من له البينة في كونه يمنعه من الميراث. ومن يعود

الإقرار له فهو يحاص بجميع ما أقر له به ومن سواه يحاص بمقدار ما أبقي له.

والقولان جميعا يتفقان في كون هذا الوراث لا يأخذ شيئا. لكن يختلف القولان في الأجنبيين: فعلى ما ذكر ابن المواز يتساويان في قسمة هذه المائة، وعلى ما ذكره غيره لا يتساويان، ويكون الذي يأخذه من له البينة أكثر مما يأخذ الذي لا بينة له.

وقد وقع تنازع في المخرج على مذهب ابن القاسم الذي قدمناه في المسألة الأولى:

فأشار الشيخ أبو إسحاق إلى أن الذي يتخرج على مذهب ابن القاسم ما ذكره ابن المواز من إسقاط الوارث المقر له، وقسمة التركة نصفين بين الأجنبيين إذا قسما التركة نصفين، فأخذ كل واحد منهما خمسين دينارا، عاد الولد الذي (1) له فأخذ من الأجنبي نصف الخمسين وهو خمسة وعشرون. فإذا أخذها عاد الأجنبي الذي له البينة فانتزعها من يده لكونه من حقه أن يمنعه الميراث، ويمنعه من نفوذ إقرار أبيه له. فإذا صارت هذه الخمسة وعشرون دينارا في يد الذي له الدين بالبينة شاركه فيها الأجنبي الذي لا بينة (2) واقتسماها نصفين، وعاد المال كله بينهما نصفين، ولم يتكرر التراجع وإنما يقع مرة واحدة، على حسب ما فعل في المسألة الأولى، أن الأخ الذي لم يقر له إذا أخذ من يد أخيه شيئا لم يرجع على الأجنبي ذلك (3) حتى يقل تكرار التراجع ودورانه.

واستبعدها هنا أن يذهب أشهب في المسألة إلى تكرير التراجع ودورانه لأن من حق من له البينة أن يأخذ كل ما يحصل من يد الولد ثم يشاركه فيه الأجنبي الذي لا بينة له ثم يشارك الأجنبي الوارث فلا يقف ذلك إلى غاية.

ورأى بعض أشياخي أن مقتضى قول ابن القاسم في هذا أن تقسم التركة بين الأجنبي الذي لا بينة له والأجنبي الذي له بينة، فما أخذه الأجنبي الذي لا بينة له قاسمه فيه الوارث، ثم يقاسم الوارث بقية الورثة، ويقف الأمر ها هنا ولا يكون تراجع، ولا يرجع الأجنبي على من له البينة مما أخذ منه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٩٨