وأشار شيخي هذا أيضا إلى أن الصواب، على مقتضى القياس في المسألة الأولى التي قدمناها وهي إقرار الأب للأجنبي بدين، ولأحد الولدين، أن يرد إقرار الوارث (1) على الجملة ويستبد الأجنبي بالتركة، لأن هذا الإقرار إذا تطرقت إليه التهمة من جهة أن الأب أوقعه لإيثار أحد الولدين على الآخر بالميراث، فمقتضى هذا إذا بطل في حق الولد (منع الوارث) (2) أن يبطل في حق الأجنبي مع الوارث المقر له لأن هذه التهمة حقيقتها أن يظن بالأب أنه كذب في الإقرار وقصد إلى إيثار أحد ولديه على الآخر .. وإذا كان الإقرار كذبا لم يتصور إنفاذه في حق الأجنبي أيضا وكأن أهل المذهب رأوا أن هذه التهمة تتصور من جهة دون جهة فلا يرد الإقرار من الجهة التي تصورت فيها التهمة دون الجهة الأخرى.
وقد اختلف المذهب في إقرار المريض لزوجته، ورثته بنت وعصبة، هل يرد هذا الإقرار لكونه يتهم من جهة العصبة؟ أو يمضي؟ لكونه لا يتهم من جهة ابنته، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ويمكن عندي أن يخرج في هذه المسألة قول آخر، وهو كون الأجنبي الذي له الدين ببينة يحاص الأجنبي بالدين المقر به للوارث ويستبد صاحب البينة به لأنه هو الذي انفرد برد الإقرار والمنع من نفوذه. وأما الأجنبي الذي لا بينة له فلا قدرة له في هذا الإقرار في حق هذا الوارث، وذلك أنه قد اختلف في مسألة
المشتركة إذا كان فيها جد، ووجب أن يشارك الإخوة الأشقاء فيها الإخوة للأم في الثلث المفروض لهم، فقد قيل: إن الجد يأخذ ما ينوب الإخوة للأم في هذه المشاركة، لكونه هو الذي انفرد عنهم، لمنعهم من الميراث وحجبهم، والإخوة الأشقاء لا قدرة لهم على حجبهم، فلا يشاركون الجد في هذا الذي يختص بالإخوة للأم على أحد قولين. فهذا مما ينظر فيه.
ومما يجري على هذا الأسلوب ما ذكره ابن المواز في رجل مات ووارثه زوجة وأخوه، وتركته مائة وخمسون دينارا، ولزوجته عليه بإقراره مائة دينار، فأقرت الزوجة لرجل بأن له على زوجها المتوفى مائة دينار، فإن إقرارها تؤخذ به في نفسهالأولا يؤخذ به أخ الميت الوارث معها. فمقتضى قولها أن الأخ لا يرث معها شيئا لكون التركة مائة وخمسون والدين مائتا دينار. فالحكم، على مقتضى قولها، أن تقسم المائة وخمسون دينارا نصفين بينها وبين من أقرت بأن له الدين على زوجها، فيحصل في يدها من التركة خمسة وسبعون دينارا، وهي قد أخذت من التركة مائة دينار قضاء عن دينها، وبقي خمسون دينارا، ترث ربعها اثني عشر دينارا ونصفا ويرث الأخ الباقي من الخمسين وذلك سبعة وثلاثون دينارا ونصف.
هذا مقتضى الحكم في حق الأخ، فتلزم المرأة أن تنتزع عما فضل في يدها مما تقول: إنه زائد على ما استحقته، وذلك ما زاد على الخمسة وسبعين دينارا، وهذا الزائد خمسة وعشرون دينار إتمام المائة التي أخذتها في الدين، واثنى عشر ونصفا هو ميراثها الذي تقول فيه: إني لأستحق تراثه، فيحصل لهذا الذي أقرت له الزوجة سبعة وثلاثون دينارا ونصف، ويبقى من حقه، على مقتضى قولها، سبعة وثلاثون دينارا ونصف، وهي التي في يد الأخ فتقول للمقر له: بقية حقك في يد هذا الوارث ظلمك فيه، وأنا أخذت إلا ما ينوبني في الحصاص وهو خمسة وسبعون، ولك أنت مثلها، فسبعة وثلاثون ونصف أخذتها من يدي، ولك عند الأخ مثلها فذلك خمسة وسبعون مثل الذي أخذت أنا.
ولو طرأ غريم آخو سواهما، له مائة دينار ببينة، لانتزع ما في يدي الرجل الذي أقرت له المرأة وكان أحق به مما أخذ بإقرار أحد الورثة له. فإذا أخذ ذلك من يده قالت له الزوجة: بقية حقك وهو سبعة وثلاثون ونصف في يد الأخ الوارث فاطلبه بهذا، فإذا أخذتها منه تساوينا في قسمة التركة، ففي يدي خمسة وسبعون وفي يدك نصفها وهو الذي أخذت من الرجل الذي أقررت له أنا، والنصف الآخر تأخر (1) من الوارث، ثم يعود الرجل الذي أقرت له المرأة إلى المرأة فيقول لها: مقتضى قولك أنا ثلاثة غرماء لنا على التركة ثلاثمائة دينار، والتركة مائة وخمسون فيستحق كل غريم نصف دينه وأنت أحد الغرماء في يدك خمسة وسبعون دينارا وليس لك بالحصاص، على قولك، سوى خمسين دينارا. فيقضى عليها بأن تعطيه الخمسة وعشرين دينارا الزائدة على ما ينوبها في الحصاص. هذا إذا كان دين المرأة ببينة. وأما إن كان بغير بينة فإن الطارئ الذي له البينة يأخذ دينه كله ويقضى له من التركة بمائة دينار ويبقى في يد الزوجة خمسون دينارا بقية التركة، ولا يلزمها أن تدفع لمن أقرت له بالدين شيئا لأن مقتضى قولها إن التركة عليها ثلاثة غرماء لكل غريم خمسون وهي ليس في يدها أكثر من حقها في الحصاص وهو خمسون دينارا، فتقول لما (2) أقرت له: صاحب المائة ظلمك وأخذ حقك.