تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكأن ابن القاسم قدر أن ما أخذه الأجنبي كجائحة طرأت على بعض التركة فيما (4) بقي بعد الجائحة يقسمه الورثة على فرائض الله سبحانه، ويكون ما أخذه الأجنبي لا يختص بأحد الولدين، وكذلك ما أخذه أحد الولدين الذي لم يقر له، يكون ذلك جائحة مختصة بأخيه الذي أخذ منه نصف ما في يديه بحكم التوارث، ولا علاقة بين الأجنبي وبينهما في هذا التوارث فلا يكون عليه من هذه الجائحة التي طرأت على الولد الذي قاسمه نصيب.

وخالف أشهب في هذا، ورأى أن الولد الذي لم يقر له بشيء إذا أخذ من أخيه نصف الخمسين دينارا عاد الآخر المأخوذ من دينه يقول للأجنبي: أنا وأنت سيان فيما ترك أبي، لأني وإياك قد تساوينا في مقدار الدين الذي لنا عليه، وتساوينا في طريق ثبوته، وهو إقرار الأب، والغريمان إذا استحقا تركة ميت استحقاقا متساويا فلا يفضل أحدهما على الآخر بشيء، ويكون ما ذهب من التركة بينهما جائحة، وما يبقى فلهما. وكأن مشاركة الولد، الذي لم يقر له لأخيه، حكم (مستدلا من) (5) سابق المقاسمة لهذه التركة، فيكون مصاب ذلك

على الغريمين جميعا فإذا أخذ من يد المقر له نصف ما في يديه عاد على الأجنبي فأخذ منه نصف الخمسة وعشرين التي أخذها منه أخوه، فإذا صارت أيضا في يد هذا الآخر المقر له قال له أخوه الذي لم يقر له: أنت لا تختص من مال أبي بشيء دوني، لما قدمناه، فإذا كان الحكم المساواة بيني وبينك، فهذه الإثنا عشر دينارا ونصف التي رجعت بها على الأجنبي كمال طرأ لأبي لا يستحقه أحد إلا بالميراث ولا وراث إلا أنا وأنت فتقاسمني فيها فإذا أخذ منه نصف الإثني عشر ونصف عاد أيضا هذا الوارث المقر له يقول للأجنبي: من حقي أن تساويني أيضا في قسمة التركة بحكم الدين، كما هو من حق أخي أن يساوينى في الميراث، وقد أخذ مني ستة دنانير وربعا، فذلك كجائحة لا أختص أنها بها، فعليك نصفها: ثلاثة وثمن. فإذا أخذ منه ثلاثة وثمنا رجع هذا الأخ، الذي لم يقر له، على أخيه بنصفها وذلك دينار ونصف وستة حبات. فإذا أخذ ذلك رجع الأخ المقر له على الأجنبي بنصفها وذلك ثلاثة أرباعه وثلاث حبات.

هكذا حتى لا يبقى في يد الأجنبي زيادة على ما يحصل الأخ المقر له.

هكذا قال أشهب.

وقال بعض الأشياخ: لابد أن يبقى كسر لطيف.

وهذا الذي قاله صحيح، ولكنه إذا عمل على حساب ذلك على ما أريناك وجب اعتدال الكل في هذه المائة دينار، فيقسمها هؤلاء الرجال الثلاثة أثلاثا: فيأخذ الأجنبي ثلث المائة، ويأخذ الولدان ثلثيها: أحدهما بحكم الدين والآخر بحكم الميراث الذي أوجب له الرجوع على أخيه وأوجب لأخيه الرجوع على الأجنبي. فإذا ثبت وجوب المساواة بين (1) ووجوب المساواة بين أحد الولدين مع الأجنبي، وصح قسمة التركة بينهم أثلاثا لأنه إذا كانت ثلاثة أعداد ساوى الأول منهما الثاني، وساوى الثاني الثالث فكلها متساوية والذي قاله بعض الأشياخ لابد أن يبقى شيء هذا الذي أشار

إليه بأنه يبقى في يد الأجنبي هو جزء لا يتجزأ ولا يتميز بميزان ولا تقدير، ولا يصح القضاء به لعدم تمييزه، ولا فائدة في ذكره.

ولو كان المريض، الذي أقر ما ذكرناه، ترك ثلاثة أولاد لقسمت تركته أرباعا، لكون الولدين (1) لم يقر لهما الأب يجب لهما أن يقاسما أخاهما الذي أخذ نصف التركة بحكم الدين، فيرثانه ميراثا متساويا، فيكون ذلك بين الأولاد الثلاثة أثلاثا، ثم يرجع الولد على الأجنبي بنصف ما أخذ منه على النسبة التي ذكرناها فلا يزال التراجع دائرا بين الولدين وأخيهما والآخر المأخوذ منه ما أخذ مع الأجنبي حتى يقع الاعتدال بين الجميع.

لكن أشهب لم يطرد هذا الأصل في الرجوع من جهة ثانية، وذلك أنه قد ثبت ألا ميراث إلا بعد قضاء الدين. وكان مقتضى هذا إذا قيل: إن الأخ الذي لم يقر له يرجع على أخيه في المسألة الأولى بنصف ما أخذ؛ أن يمكن الأجنبي أيضا من الرجوع على هذا الأخ الذي لم يقر له فيأخذ من أخيه حتى يكمل دينه، إذ لا ميراث إلا بعد قضاء الدين. وأشهب لم يمكن الأجنبي من هذا، ولا أوجب له رجوعا على الأخ الذي لم يقر له بمال أخيه، لأنه لو أوجب له ذلك لعاد الأخ المقر له يقاسم الأجنبي في هذا الذي بيده، فإذا قاسمه عاد الأخ الذي لم يقر له إلى مشاركة أخيه فيذهب إلى إحالة وعدم الوقف عند غاية.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٩٧