تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكأن أشهب قد رأى أن الولد من يوم سقوطه في البطن وجبت نفقته على أبيه من غير افتقار إلى قضية قاض، فأشبهت نفقة الزوجة الواجبة التمكين.

وأما نفقة الأبوين، فقد قال مالك: لا يقع الحصاص بها في فلس ولا موت.

لكن أصبغ قال: لو قضى القاضي بها لوجبت المحاصة لهم لكونها لما حكم بها ثبتت ثبوت ديون المعاملة.

وأما الحقوق الثابتة لا عن معاوضة مالية، ولا عن معاوضة في حكم المالية كالنكاح والخلع، ولا عن مواساة، بل من جهة الإفتيات على من له الحق بغير اختياره كالجنايات فإن بعض أشياخي رأى أنها جارية على القولين في النفقات، وما ذكرنا معها مما ليس ثبت الديون فيه عن معاوضة. وقد قال في المدونة في الجاني جناية دون الثلث لا تحملها العاقلة: إنه إذا رهن بها رهن أمضي ذلك للمجني عليه، كما لو قضاه أرش الجناية، فأوجب المحاصة وألحقها بالديون.

وقال في كتاب الصلح في جناية العمد: إذا أراد الجاني أن يصالح عليها وعليه ديون، فإن لغرمائه أن يمنعوه من ذلك. وأشار بعض الأشياخ إلى أن ذلك لو وقع لمضى ونفذ، ولم يكن للغرماء رده كما لو قضى من (1) الصداق وشبه ذلك؛ لأن له منفعة فيما بذل، وهو وقاية نفسه من القصاص، كما للزوج منفعة فيما بذل لحاجته إلى النكاح، والذي يدفع عن جناية العمد ليست بهبة محضة، ولو كان هبة لسقط عن الجاني ما التزم من الأرش إذا مات، كما تسقط الهبة إذا لم تحن.

وهذا الذي أشار إليه قد يسلم له اشتراك الجناية مع النكاح في كون ذلك معاوضة عن منفعة، ولكن إذا قلنا: إن الغرماء عاملوه على أن يتزوج ويتسرى لاطراد العادة بذلك عموما فإن جناية العمد لم يعاملوه على أن يفعل ما لا يحل تعمدا ويتلف ما لهم فيه.

وظاهر مذهب الشافعية الحصاص بأرش الجناية، لكون الأرش وجب بغير اختيار المجني ورأوا إقراره بالجناية آكد باللزوم من إقراره بدين المعاملة

الاختيارية، لكون الجناية بغير اختيار المجني عليه، كما لو جنى العبد المرتهن.

فإن أرش الجناية أحق برقبته من الذي هو في يده رهنا وإنما كان هذا كذلك لأن المرتهن تعلق حقه بذمة سيد العبد لا بعين العبد، وتعلق أيضا بعين العبد بكونه فعل ما في ثمنه على الغرماء، وأصحاب الجناية لم يتعلق لهم حق بذمة سيد العبد، وإنما تعلق حقهم بعين رقبته، فقدموا على المرتهن الذي إن أسقط حقه في عين العبد بقي حقه في ذمة سيده.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:

قد علم أن إقرار المريض لمن يتهم بتوليج ماله، وصرفه عن ورثته إليه مردود، ولا يقبل منه، على ما سنذكره جملة وتفصيلا في كتاب المديان إن شاء الله تعالى. لكن يتعلق ببعض مسائله المحاصة التي يتبدل حكمها. فمن ذلك إقرار المريض بدين لأحد ورثته ولرجل أجنبي لا يتهم في الإقرار له. مثل أن يقول في مرضه، ولا يرثه إلا ولدان. أحد ولدي عندي (1) مائة دينار ولفلان رجل آخر أجنبي، عندي مائة دينار ولم يترك سوى مائة دينار، فإن الولد المقر له يحاص الأجنبي، لكون الأجنبي لم يثبت دينه إلا بإقرار هذا المريض، ولو لم يقربه له لم يثبت له شيء. وكذلك إنما ثبت الدين لأحد ولديه بإقرار أبيه المريض. فقد ساوى هذا الولد الأجنبي في طريق ثبوت دينهما، ولا يتهم المريض في إقراره لولده في حق الأجنبي، لأنه لو شاء لم يقر للأجنبي، فإذا (2) تساويهما في طريق ثبوت دينهما وجب أن يتحاصا في هذه المائة، فيقتسمانها نصفين، كأن التهمة إذا ارتفعت من جهة الولد (3) الأجنبي فإنها لا ترتفع من جهة المقر له من الولدين مع أخيه، لأن أباهما يتهم أن يؤثر أحد ولديه بميراث ماله على الولد الآخر، على ما ينظر في كتاب المديان. فإذا تطرقت التهمة من جهة إيثار

الأب لأحد ولديه (1) الآخر كان من حق الولد الذي لم يقر له أبوه بشيء أن يشارك أخاه في الخمسين دينارا التي وقعت له في محاصة الأجنبي فيقسمها معه نصفين حتى يستوفى ما ترك أبوهما، وترتفع التهمة بذلك، ويصير ما أخذه الأجنبي كأنه ليس بتركة لأبيهما. فإذا (قضي بهذا وقف القضاء ما هذا) (2) عن ابن القاسم، وصارت التركة مقسومة على هذه النسبة، للأجنبي خمسون دينارا، والخمسون الباقية بين الولدين نصفين (3): للولد المقر له بالمائة دينار الدين، وللولد الآخر الذي لم يقر له بشيء.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٩٦