فإذا بيع على المفلس ما وجب بيعه قسم على غرمائه الذين ثبتت ديونهم عليه بمعاوضة مالية، على اختلاف أجناس الأموال، من بائع منه عقارا أو بائع طعاما أو بائع سلعة، صار في ذمته على حد سواء.
وأما كل حق صار عليه من غير معاوضة مالية أخذت عما لزمه من الديون، لكن له غرض ومنفعة في تحصيل ما صار ثمنه دينا عليه، وإن لم يكن مما يباع ويشترى، كصداق امرأة أو خلع زوجة بمال دفعته لزوجها عن طلاقها، فإن ذلك يجب الحصاص به.
وقد قال مالك في التي صالحت زوجها على عشرة دنانير إلى أجل ثم فلست: إن الزوج يحاص غرماءها وهذا لأجل أنها اشترت منه ما ملك من منافع بضعها، وتخلصت بما نزلت (2) له من حبالها. وهذه منفعة مقصودة وغرض صحيح، فلهذا أوجب الحصاص به.
وكذلك الصداق تحاص به الزوجة غرماء زوجها لأجل أنه اشترى منها منافع بضعها أيضا، وبه حاجة إلى ذلك، وقد دخل معه الغرماء عليه. فلم يكن
لهم الامتناع من المحاصة بالصداق (في المحاصة في الصداق) (1) في فلس الزوج بلا خلاف فيه منصوصا عندنا.
وأما المحاصة في موت الزوج، فالمعروف من المذهب إثبات المحاصة به كاللباس والإنفاق على المحاصة به في المفلس، يشعر بأنه لا يجري مجرى الهبات، بل يجري مجرى المعاوضات. ولا فرق بين الفلس والموت في وجوب المحاصة. وذكر ابن الجلاب في تفريعه قولة: شاذة أنه لا يحاصر في الموت. وإنما يحاص في الفلس، وكأنه رأى أن الحصاص به في الفلس لا يلحق الغرماء الذين بايعوه بالسلع من الضرر بمحاصة الزوج يلحقهم إذا حاصهم في الموت؛ لأن المفلس تبقي ذمته ويرجى سعيه فيما بعد، حتى يكتسب ما يوفي به هؤلاء الغرماء بقية حقهم، وفي الموت لا يرجى ذلك منه (بل يسوى من كمال ديونهم التي عليه) (2). فلهذا فرق بين الموت والفلس تغليبا لأحد الضررين، فغلب ضرر الغرماء في الموت، وغلب ضرر الزوجة في الفلس.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ (3) معناه عطية.
وقيل: بل معناه شرعة وديانة.
وأما نفقة الزوجة فيما يستقبل بعد التفليس، فلا مطالبة لها بذلك. فينظر: هل تحاص به أم لا؟ لأنا قدمنا أنه يبقى له من ماله ما ينفق على زوجته ونفسه وأولاده الصغار المدة القريبة التي ذكرناها فيما تقدم.
وأما إذا غاب زوجها، ولم ترفع الأمر إلى القاضي شاكية له عدم الإنفاق، لأنها لا تصدق في كونه لم يترك لها نفقة، وإذا لم تصدق في ذلك لم تستحق المطالبة، استحال الحصاص.
وأما بعد رفعها إلى القاضي فالقول قولها، ويحكم لها بالإنفاق وإذا حكم لها صار ذلك كغيره من الديون الثابتة عليه، وجرى مجرى الصداق الذي بذل في مقابلة استباحة الفرج، فإذا حصل الوطء وجب الصداق والنفقة في مقابلة التمكن من الاستمتاع وهي بعد رفعها إلى القاضي ممكنة من الاستمتاع، فصارت النفقة المقبوض عوضها كاللاحقة بالديون.
هذا الظاهر من المذهب وجوب المحاصة في الفلس. وأما محاصتها بهذا الإنفاق بعد الموت، فحكى ابن القاسم أنه اختلف فيه قول مالك، فقال مرة: تحاص به، وهو اختيار ابن القاسم. وقال مرة أخرى لا تحاص به في الموت.
ووجه ما أشرنا إليه من كون الضرر يلحق في الموت أشد مما يلحق مع حياة المفلس. وقد قيل: لا تحاص بالنفقة في موت ولا فلس.
وكأن هذا رأى أن النفقة لما كانت تسقط مع الإعسار ضعفت عن الديون التي ثبتت في الذمم مع العسر واليسر. وقد قال سحنون: إنما يحاص بالنفقة إذا كانت الديون محدثة بعد وجوب النفقة لها، فكان حقها عنده قويا من وجه السبق والتقدم، فإذا تقدمت الديون حازت الترجيح من الوجهين: المتقدم والسبق، ومن كونها تثبت مع العسر واليسر.
وأما المحاصة بنفقة البنين الصغار، فابن القاسم نفاها في الموت والفلس. وأشهب أثبتها كما أثبت نفقة الزوجة.
فكأن ابن القاسم رأى أن نفقة الزوجة عن معاوضة، فلحقت بالديون التي هي أثمان سلع، ونفقة البنين مواساة لا عن عوض فلم تزاحم الديون فتقع المحاصة بها.