وهذا الذي قاله صحيح، وإنما يبقى النظر: هل يرد جميعها؟ ومقدار هذه المحاباة التي بين القيمتين التي تجري مجرى الهبة.
وعلى التعليل الذي ذكرناه نحن في أن الاعتبار بما عامله عليه (غرماؤهم يعاملوه) (2) على تعجيل دين آجل، إذ تبين فلسه يجب أن يرد جميعه لا قدر المحاباة كما يقتضيه التعليل الآخر.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
إذا كان من عليه الديون في يديه ما يقتضي منه جميعها على الكمال، فلا مدخل للتحجير عليه، لأن القاضي إنما نصب لاستخراج الحقوق إذا طلبها أهلها، وهو إذا كان عنده ما يفي بجميع ما عليه من ديون، أمره بقضائها، أو انتزع القاضي ما في يديه فقضاه لغرمائه، إن لم يقض هو ذلك بنفسه، أو تعذر قضاؤه بنفسه.
وأما إذا كان ما في يديه يقصر عما عليه من الديون الحالة، وليست
عليه ديون آجلة، فهو الذي تقدم الكلام عليه وذكرنا صحة الحكم عليه بالتحجير.
وإذا اجتمع جميع غرمائه على تحجيره حجر لهم عليه وقسم ما في يديه عليهم بقدر أموالهم.
وإن طلب بعضهم التحجير وأباه بعضهم، كان من حق من طلب التحجير أن يحجر له عليه، ويسقط (1) ما في يديه على من طلب التحجير ومن أبي منهم، فيدفع لطالب التحجير ما ينوبه في الحصاص، ويبقي الآخرون (2) ما ينوبهم في يده إن شاؤوا، ولا يكون في هذا الذي أبقوه في يده للمانعين من التحجير حق لمن طلب التحجير وأخذ ما نابه في الحصاص.
وإن كانت عليه ديون حالة وديون آجلة، فهل تحل الديون الآجلة أم لا؟ اعتبر في ذلك مقدار ما في يديه ومقدار ما حل عليه. فإن كان فيما في يديه نقص عن حقوقال فين حل دينهم فإنه يحكم ها هنا بتفليسه والتحجير عليه، حلت (3) عليه الديون الآجلة، على ما سيأتي بيانه وذكر خلاف الناس فيه.
وإن كان مقدار ما في يديه هو مقدار الدين الذي حل عليه سواء بسواء، فاختلف الأشياخ في هذا: هل تحل الديون الآجلة ويحكم بالتفليس أم لا؟ فكان من منع من الحكم بالتحجير ها هنا ولم ير حلول الديون الآجلة، لكن الغريم (4) وجد سلعته التي باعها بعينها يكون أحق بها، يقول: فإن الغريم (5) إذا كان عليه ديون لجماعة، وفي يديه ما يوفي جميعها على الكمال، لا تجري عليه أحكام
المفلس، لكون كل طالب حق يوصله القاضي منه إلى جملة حقه على الكمال، ولا معنى لتفليسه.
وإذا لم يكن من حق أصحاب الديون الحالة تفليسه لأجل ما ذكرناه، وأصحاب الديون الآجلة لم يستحقوا المطالبة بها، فيستحقون تفليسه، بطل تصور الحكم بتفليس هذا، لكون الطائفة التي حلت ديونها يأخذون جميع حقوقهم. على أن أصحاب الديون الآجلة إنما عاملوه على أنه يعامل الناس (ويثقون الناس) (1) في معاملته بذمته فإذا أخذ هؤلاء حقوقهم على الكمال، وبقي لا مال له، صارت ذمته معينة (2) لا يعامله أحد، وأصحاب الديون الآجلة إذا لم يدخلوا على العيب في ذمته فكان (3) من حقهم تفليسه لأجل الضرر اللاحق بهم من فقد معاملة الناس له.
وأما إذا كان (4) في يديه يستوفي منه جميع غرمائه الذين حلت ديونهم حقوقهم على الكمال أو (5) تفضل فضلة تبقى في يديه، قال ابن المواز: في هذا: إنه لا يفلس لأجل ما قدمناه من كون التفليس لا يستحقه أصحاب الديون الحالة والآجلة.
وأشار بعض الأشياخ إلى حمل مقالة ابن المواز على أنه يبقى في يديه فضلة يعامل الناس بها ويتاجرهم فيها يرجى تنميته لها ما يقضي به حقوق أصحاب الديون الآجلة إذا حلت.
وهذا التأويل الذي أشار إليه بعض الحذاق هو مبني على إحدى الطريقتين اللتين حكيناهما من اختلاف المتأخرين في تفليسه إذا كان الذي في
يديه لا تفضل منه فضلة تبقى لأصحاب الديون الآجلة. وقدر أنه إذا كانت الفضلة لا بال لها فإنها كالعدم، ويلحق بما قلناه من غريم (1) لم يكن في يديه إلا مقدار الحقوق الحالة لا أكثر من ذلك.