وهذا الذي قاله يصح تصوره إذا كانت فضلة لا يعامل الناس عليها ولا يتأتى فيها تنمية. وأما إذا كانت مما يتأتى فيها التنمية التي يرجى منها قضاء الحقوق الآجلة فإن التفليس لا معنى له، كما أشاروا إليه. هذا حكم اختلاف الغرماء في تفليس المديان.
وأما صحة حكم (2) مع ثبوت ملائه وتعذر إكمال ما عليه من الحقوق لغيبة ماله، إذا طلب الغرماء (تفليس غرمائهم) (3) لكون ما في يده نقص من حقوقهم ولا مال له سواه حاضرا أو غائبا، فقد ذكرنا أنه يفلس لهم.
وأما إن كان له مال غائب، الظاهر أنه لا يصل إليه ويخشى كلفة أو يشك في ذلك، فإنه يحكم بتفليسه، وتحل عليه الديون المؤجلة، ويكون من باع (4) سلعة أحق بعينها.
وأما إن كان الظاهر كون المال الغائب حاصلا يؤمن عليه حتى تقضى الديون منه، فإن المذهب على قولين:
ذهب ابن القاسم إلى أنه لا يفلس. وفلسه أشهب.
وكأن أشهب رأى أن التفليس ها هنا يتعذر (5) إكمال الحقوق لأربابها، فلا فرق بين أن يتعذر إكمالها للفقر والعدم أو لغيبة المال.
وقد رأى ابن القاسم أن التفليس لا يقع ها هنا لا (1) غيبة المال كحضوره مع (2) تعذر بيعه في الحال وفي الزمن القريب.
وبالغ أصبغ في الحكم بتفليسه كما قال أشهب.
ويكتب بتفليسه ويستتم الحجر عليه. فأشار إلى أنه إذا فلس ها هنا، وحاص أصحاب الديون المؤجلة أصحاب الديون الحالة، ذهب من بقي له مؤجل إلى البلد الذي به المال فإنه يعجل له ما بقي من دينه فإن (3) كان الأجل لم يحل، لأجل ما تقدم من الحكم بحلول ديونه الآجلة لما حكم بتفليسه.
واستبعد بعض الأشياخ هذا، ورأى أن علة إسقاط الأجل الذي للغريم فيه حق، وتعجيل الديون الآجلة حتى يستحق أصحابها المطالبة بها لمخافة ألا يجد (4) ما يأخذون منه ديونهم إذا حلت الآجال، وهاهنا قد أمن من ذلك، ووصلوا إلى موضع، غريمهم (5) فيه مال مأمون، فيجب ألا يعجل لهم قضاء حقوقهم قبل أجلها لارتفاع العلة التي لأجلها عجلت حقوقهم.
هكذا يجب عنده ألا تعجل لهم حقوقهم إذا فلس الغريم، وطرأ له مال من ميراث، فإنهم يطالبون غريمهم بأن يأخذوا منه ما بقي من حقوقهم المؤجلة قبل أجلها، بل (6) ما تعجلوه وحاصوا به أصحاب الديون الحالة يبقى لهم، وما بقي لهم من الحقوق الآجلة لا يستحقون المطالبة بها عاجلا.
وعلى ما أشار إليه أصبغ يستحقون المطالبة بما بقي لهم عاجلا، كما لا يرد ما قبضوه لأجل طريان مال ورثه غريمهم. فكما لا ينقض الحكم فيما قبضوه
كذلك لا ينقض فيما طلبوا قبضه من المال الطارى. وهذا الذي استبعده بعض الأشياخ غير بعيد على إحدى الطريقتين عندنا في الحكم إذا وقع في الظاهر (وصوابا فالكشف في المال أنه ليس بصواب في الباطن لو اطلع عليه) (1).
وقد اختلف القول في المدونة في المفقود إذا حكم بتمويته، فتزوجت زوجته، فلم يدخل بها الزوج الثاني حتى قدم المفقود حيا: هل ينقض نكاح الثاني أم لا؟
فقيل: لا ينقض مع القطع على أن الحكم الواقع بتمويته، وإباحة الزوجة للأزواج، كان خطأ في الباطن الذي استأثر الله سبحانه بعلمه، إلى غير ذلك من المسائل المذكور فيها الخلاف في مثل هذا.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
قد تقرر وجوب التنصل من الحقوق والديون، وأن المطل من القادر على أداء الدين ظلم، والظلم من المنكرات، والمنكر يجب على ولاة الأمر تغييره فإذا فلس القاضي رجلا عليه ديون، وحجر عليه في ماله، وامتنع من القضاء وبيع أمواله بنفسه، فإن القاضي يبيع عليه كل ما في يديه من كسبه، قل أو جل.
هذا هو الأصل. قد جنح إليه ابن كنانة مين أصحاب مالك، قال: ولا يترك للمفلس شيء. وانفرد بهذا المذهب دون مالك وأصحابه فإنهم اتفقوا على أن المفلس يترك له من ماله بعض ما لابد منه ولا غنى له عنه. هذا القول على الجملة ومعلوم أن ستر عورته واجب عليه، وإن عجز عنه وجب ذلك على المسلمين. وكذلك حفظ حياته بالغذاء واجب عليه، فإن عجز عنه وجب ذلك على المسلمين فرضا على الكفاية فمن قام به منهم سقط الفرض عن الباقين.