تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن لم يكن الغرماء قاموا عليه ليفلسوه ولكن تشاوروا في تفليسه فاجتمع رأيهم عليه فبادر أحدهم إلى استقضائه ماله عليه من الدين لينفرد بذلك دون أصحابه الذين تشاوروا في تفليسه، فإن في ذلك قولين:

أحدهما: أن ذلك يحل محل الحجر: إذا وقع الحجر فليس لأحد الغرماء أن يأخذ من ماله شيئا.

والقول الآخر: إن ذلك يمضي له وإن هذا التشاور واجتماع رأيهم على تفليسه لا يحل محل الحجر عليه.

وقد اختلف قول مالك في المدونة فيمن أحاط الدين بماله، فخص بعض غرمائه بقضاء دينه، ولم يقض الآخرين، أو أرهنه رهنا بدينه، فمرة أمضى ذلك. ومرة رده. وهذا إذا كان الارتهان بدين استقر في ذمته. وأما إن كان رهنا دفعه في ثمن عقد به سلعة وشرط بائعها أن يعطيه رهنا بالثمن، فإن هذا الرهن يجري مجرى بيعه وابتياعه. وقد قدمنا أن بيعه بالقيمة يمضي من غير خلاف.

وكذلك شراؤه بالرهن المشترط في عقد بيع يحل محل الثمن الذي يشتري به سلعة ويمسكها بائعها حتى يدفع الثمن إليه.

وهذا الذي ذكرناه من اختلاف قول مالك إمضاء قضائه إذا أحاط بماله، منشأ الاختلاف فيه هل عامله الغرماء على أن يتصرف في ماله بالبيع والابتياع وفضل الديون، أم لم يعاملوه على ذلك إلا بشرط أن يكون في يديه ما يقتضى منه جميع الحقوق التي هي عليه، فيجوز قضاؤه؟ فاتضح الأمر في العوائد على أنهم عاملوه على أنه يتصرف تصرفا ينمي به المال لا تصرفا يؤدي إلى نقص حقوقهم، والبيع والشراء بالقيمة لا ينقص من حقوقهم شيئا، والقضاء ينقص من

حقوقهم، فأشكلت العادة فيه: هل هذا مما دخل عليه الغرماء معه، لكونه وإن كان نقصا في الحال فهو إنماء في المآل، لكونه إذا قضى أحد الغرماء عامله الناس الذين يقضي ما عليه من الحقوق أو الأمر بخلاف ذلك؟

ولم يختلف المذهب عندنا في أنه إذا تصرف تصرفا ينقص حقوقهم، وليس فيه طلب تنمية المال في الحال ولا في المآل، أن ذلك لا ينفذ، كعتقه عبده أو هبته لرجل بعض ماله.

لكن القاضي أبو محمد عبد الوهاب حاول أن يخرج في عتقه وهبته اختلافا من اختلاف قول مالك في إجازته له أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، فأنكر بعض أشياخي هذا التخريج لأجل ما أشرنا إليه أن القضاء لبعض غرمائه يؤدي إلى الثقة به في المعاملة وإذا عومل نما ماله ووجد ما يقضي منه الديون.

والإعتاق والهبات خسارة محضة ونقص في المال لا يفيد نموا في الحال ولا في المآل، فلا يحسن الخلاف فيه كما يحسن الاختلاف في جواز قضائه ديون بعض غرمائه وقد أحاط الدين بماله.

ولأجل هذه الإشارة التي أشرنا إليها من التعليل المفرق بين عتقه وهبته وقضائه لبعض غرمائه إذا (1) ذلك الشيخ أبا القاسم السيوري رحمه الله إلى (2) أن استفتاه بعض القضاة في رجل عليه دين لجماعة أحاطت بما في يديه فقضى

جميع ما في يديه لأحد غرمائه، فأشار إلى أن ذلك لا يختلف في رده، وإنما اختلف في كونه يقضي بعض ما في يديه ويمسك بعضا يعامل به الناس، فيتصور ها هنا كون ما قضاه فيه تنمية في المال. وأما إذا عاد فقير إلى شيء (3) في يديه فإنه لا يعامل، فيكون ذلك ضررا بينا ببقية غرمائه. وقد رأيته في بعض التعاليق عن بعض الأشياخ القرويين أنه أشار إلى قريب مما أشار إليه السيوري، فقال:

لو كان الدين إلى أجل فجعله لمن استحقه مؤجلا، وقد أحاط الدين بما في يديه، فإن ذلك يرد، ولا يختلف فيه كما اختلف في قضاء بعض الديون، لكون الغرماء لم يعاملوه أيضا على كونه يقضي ديونا آجلة ويترك قضاء ديون حالة.

وحكيت هذا في بعض مجالس (1) وكان حاضرا أحد مشائخ المفتيين، فقال: إن هذا يجب رده من طريقة أخرى، لأن الدين الآجل لو بيع بالنقد لم يساو مقدار عدده الذي يؤخذ حالا إذا قضاه كاملا، فصار الزائد على ما بين قيمته آجلا وقيمته حالا كالهبة، والهبة ترد من غير خلاف منصوص في المذهب كما ذكرناه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٨٩